تشهد الأزمة السودانية في الأسابيع الأخيرة تحوّلات نوعية توحي بأن مسار الحرب يقترب من منعطف استراتيجي قد يقود إلى وقف القتال، ليس بفعل الإنهاك العسكري فقط، بل نتيجة تبلور إرادة إقليمية ودولية متقاطعة لحماية السودان من سيناريو التفكك والفوضى الشاملة.
فما يجري اليوم يتجاوز المبادرات الشكلية، ويدخل في نطاق إعادة هندسة الصراع نفسه.
الدور الإقليمي يعود بقوة: حماية السودان من التقسيم أولوية مشتركة
برز خلال الفترة الأخيرة محور إقليمي فاعل تقوده:
🇪🇬 مصر
🇸🇦 السعودية
🇹🇷 تركيا
🇶🇦 قطر
وبدعم واضح من الولايات المتحدة، في محاولة لاحتواء الحرب وتحويل مسارها من منطق السلاح إلى منطق التسوية السياسية المنضبطة.
هذا التحالف غير المعلن يقوم على قناعة مركزية:
انهيار السودان لن يهدد وحده، بل سيشعل القرن الأفريقي والبحر الأحمر بالكامل.
ولذلك لم يعد الصراع يُنظر إليه كأزمة داخلية، بل كخطر استراتيجي على الأمن الإقليمي والدولي.
جولات وتمهيدات سبقت مسار وقف الحرب
لم تأتِ التحركات الأخيرة فجأة، بل سبقتها:
• لقاءات سياسية وأمنية مكثفة
• تنسيق استخباراتي إقليمي
• تفاهمات إنسانية لوقف النار التدريجي
• توافقات حول وحدة السودان ومؤسساته
وجاء الإعلان عن مسارات إنسانية وهدن مستدامة كمؤشر على أن طبخة الحل بدأت تنضج فعليًا.
كما شكّل البيان السعودي التركي المشترك رسالة قوية بأن المليشيا لم تعد مقبولة كطرف يفرض وقائع السلاح.
هل تحسم الإرادة الإقليمية الصراع؟
المعادلة الجديدة تقول بوضوح:
✔ دعم الجيش كمؤسسة وطنية
✔ رفض تفكيك الدولة
✔ منع تحويل السودان لساحة مرتزقة
✔ فرض حل سياسي منضبط
ومع وجود غطاء أمريكي لهذا التوجه، فإن فرص إنهاء الصراع باتت أكبر من أي وقت مضى.
فحين تتقاطع مصالح القاهرة والرياض وأنقرة والدوحة — نادرًا ما تفشل المبادرات.
تحالف “صمود” والتنازل المفاجئ: قراءة في التحول السياسي
أثار إعلان تحالف “صمود” استعداده للجلوس مع المؤتمر الوطني وفق ثلاثة شروط فقط تساؤلات واسعة:
❓ لماذا هذا التراجع السريع في السقوف السياسية؟
❓ هل أدركت القوى المدنية أن ميزان القوة تغيّر؟
❓ أم أن التسوية الكبرى تفرض مرونتها على الجميع؟
الواقع أن التطورات الميدانية وانهيار مشروع المليشيا دفعا كثيرًا من القوى إلى إعادة التموضع السياسي، استعدادًا لمرحلة ما بعد الحرب لا لمواصلة الصراع.
الميدان يفرض منطقه: الجيش يكسر الحصار في جنوب كردفان
على الأرض، واصل الجيش السوداني تثبيت معادلة الحسم عبر:
🔓 فك الحصار عن الدلنج وكادقلي
وهو إنجاز استراتيجي لأنه:
• أعاد السيطرة على عقدة جغرافية حساسة
• كسر خطوط خنق طويلة الأمد
• فتح الطريق لتأمين جنوب كردفان بالكامل
هذا التقدم لم يكن عسكريًا فقط، بل سياسي التأثير على مسار التفاوض.
تصريحات عبد العزيز الحلو: ضربة معنوية للمليشيا
جاءت مواقف عبد العزيز الحلو المنتقدة لقوات الدعم السريع بمثابة:
⚠ إعلان انهيار نفوذها في جنوب كردفان
⚠ سحب الغطاء السياسي عنها
⚠ اعتراف غير مباشر بفشل مشروعها
وهي تطورات تعكس عزلة المليشيا حتى داخل البيئات التي حاولت التمدد فيها.
الانهيار المتسارع لقوات الدعم السريع
مع الضربات المتلاحقة:
📉 خسارة مواقع استراتيجية
📉 تفكك محاور القتال
📉 تراجع القدرة الهجومية
📉 اعتماد متزايد على المسيرات والتخريب
أصبحت المليشيا في موقع دفاعي هش، ما جعل خيار التسوية يفرض نفسه حتى على داعميها.
من الحرب إلى السلام: هل دخل السودان المرحلة الأخيرة؟
كل المؤشرات توحي بأن السودان يقترب من:
🕊 وقف إطلاق نار واسع
🕊 مسار سياسي إقليمي مضمون
🕊 إعادة بناء الدولة
🕊 إنهاء عصر المليشيات
لكن النجاح مرهون بـ:
✔ استمرار الضغط الإقليمي
✔ منع إعادة تسليح الفوضى
✔ توحيد الجبهة الوطنية
✔ إدارة سياسية حكيمة للمرحلة الانتقالية
الخلاصة: لحظة التحول التاريخي
ما نشهده اليوم ليس مجرد هدنة محتملة، بل إعادة صياغة كاملة لمعادلة السودان:
الدولة تعود،
المليشيا تتراجع،
الإقليم يتدخل لإنقاذ الاستقرار،
والحل السياسي يصبح المسار الوحيد الممكن.
لقد فشل مشروع إسقاط السودان بالفوضى…
وبدأت مرحلة إنقاذه بالتوازنات.
البريد الإلكتروني: alzomzami.analysis@gmail.com
