يرى كارل فون كلاوزفيتز أن الهدف الحقيقي في الحرب ليس تحطيم قوات العدو بقدر ما هو تحطيم إرادته على القتال، بينما يؤكد سون تزو أن أعظم الانتصارات تتحقق حين يُجبر الخصم على الانهاك والارتباك قبل المواجهة المباشرة. ومن هذا المدخل النظري يمكن قراءة التحولات الجارية في مسارح العمليات بكردفان ودارفور والنيل الأزرق، حيث أعادت القوات المسلحة السودانية تشكيل بيئة الصراع بصورة أفقدت ميلشيا الدعم السريع المبادرة، وحوّلتها من قوة مهاجمة إلى مجموعات مشتتة محاصرة في نطاقات ضيقة.
في كردفان، يعكس فك الحصار عن الدلنج كسر الطوق حول كادوقلي وفك حصارها تطبيقاً عملياً لما يسميه ليدل هارت “الاقتراب غير المباشر”، إذ ركزت القوات المسلحة على ضرب العقد الحيوية التي تربط مسارح العمليات بدلاً من إدارة مواجهات مباشرة طويلة. فهذه المدن تمثل مفاتيح حركة واتصال، والسيطرة عليها تعني إعادة تنظيم المجال العملياتي بصورة أربكت حسابات ميلشيا الدعم السريع وأعادت توزيع موازين القوى على الأرض.
وفي شمال كردفان، فإن التحرك من رهيد النوبة إلى مناطق وأم سيالة وجبرة الشيخ وأم قرفة وجريجخ وغرب الأبيض يجسد مفهوم “حرب الاستنزاف” عند كلاوزفيتز. فقد ركزت القوات المسلحة السودانية على ضرب خطوط الإمداد ومسارات الحركة التي تعتمد عليها ميلشيا الدعم السريع، ومع كل خسارة في هذه المواقع يتآكل العمق اللوجستي للميلشيا ويتحول انتشارها الواسع إلى عبء عملياتي يصعب الدفاع عنه أو تمويله .
أما في جنوب كردفان، في مناطق هبيلا ومحلية القوز، فتتجلى بوضوح نظرية جون بويد حول دورة القرار ، حيث سارعت القوات المسلحة بإيقاع العمليات بصورة جعلت ميلشيا الدعم السريع غير قادرة على مواكبة التغيرات الميدانية، فبقيت في حالة رد فعل دائم فاقدة للقدرة على المبادرة أو إعادة تنظيم صفوفها.
وفي دارفور، فإن ضربات الطيران الحربي التابعة للقوات المسلحة في نيالا والضعين تنسجم مع ما طرحه جوليو دوهِت حول الحسم عبر السيطرة الجوية وضرب مراكز الثقل الحيوية للعدو. فالطيران هنا استهدف القدرة على التجمع والحركة وإعادة التموضع لدى ميلشيا الدعم السريع، ما أدى إلى شلل عملياتي تجاوز أثره الخسائر المباشرة.
ويمثل استهداف الإمدادات في المثلث الحدودي بين السودان وليبيا ومصر تطبيقاً واضحاً لنظرية الأدميرال ألفرد ماهان حول أهمية ضرب شرايين الإمداد الخارجية. فقد عملت القوات المسلحة على عزل مليشيا الدعم السريع عن مصادر دعمها، مما سرّع عملية إنهاكها وقلّص خياراتها الاستراتيجية وحوّلها إلى قوة محاصرة جغرافياً ولوجستياً.
وفي غرب دارفور، على تخوم الطينة ثم في الجنينة و زالنجي، تتجسد فكرة هالفورد ماكندر الجيوبوليتيكية حول أهمية السيطرة على الأطراف الحيوية للدولة، إذ إن بقاء هذه الأطراف تحت سيطرة جوية للقوات المسلحة منعت ميلشيا الدعم السريع من تشكيل عمق خلفي تتحرك فيه، وأعادت ربط المجال الطرفي بالمركز في معادلة السيطرة.
وفي النيل الأزرق، فإن الهزيمة التي مُنيت بها القوات المتحالفة مع ميلشيا الدعم السريع تعكس ما أشار إليه ريمون آرون من أن التحالفات الهشة في الحروب غير المتناظرة تتحول سريعاً إلى نقاط ضعف عند أول اختبار ميداني جاد، خاصة عندما تواجه ضغطاً عملياتياً متواصلاً من قوة نظامية منظمة.
إن ظهور الخلافات والاشتباكات داخل صفوف ميلشيا الدعم السريع وتسليم بعض أفرادها للقوات المسلحة يمكن فهمه في ضوء ما أشار إليه مارتن فان كريفيلد حول خطورة انهيار منظومة القيادة والسيطرة، إذ إن فقدان التوجيه يحول الوحدات المقاتلة إلى مجموعات مشتتة بلا اتجاه، وهو ما يسرّع التفكك الذاتي حتى دون هزائم كبرى.
وتتزامن هذه التطورات مع تحولات إقليمية ودولية تعكس طرح كينيث والتز حول تأثير بنية النظام الدولي على سلوك الفاعلين المحليين، حيث أدى تراجع الغطاء السياسي الخارجي وتنامي العزلة إلى إضعاف قدرة مليشيا الدعم السريع على المناورة السياسية بالتوازي مع خسائرها العسكرية.
وفي هذا السياق، يبرز بوضوح دور القوات المساندة للقوات المسلحة في تثبيت المكاسب وتأمين المناطق المحررة، وهو ما ينسجم مع طرح ديفيد غالولا حول أهمية إحكام السيطرة بعد التقدم في الحروب غير التقليدية. كما يتجلى الدور الاستراتيجي الحاسم لجهاز المخابرات العامة في حرب الكرامة، من خلال إدارة المعلومات الميدانية، وكشف خطوط الإمداد، وتوجيه العمليات بدقة عالية، في صورة تعكس ما أكده سون تزو من أن المعرفة الدقيقة بتحركات العدو تمثل نصف النصر قبل بدء المعركة. ويأتي ذلك تحت قيادة مديره العام الفريق أول أحمد إبراهيم المفضل، حيث أصبح العمل الاستخباري أحد أعمدة الفعل العملياتي المؤثر في مسار هذه الحرب.
إن مجمل هذه التطورات لا يمكن قراءته كانتصارات منفصلة، بل كعملية تراكمية تنسجم مع رؤية كلاوزفيتز للحسم عبر الضغط المتواصل الذي يُفقد الخصم إرادته على الاستمرار. وبهذا المعنى، فإن ما يجري يمثل انتقالاً واضحاً تقوده القوات المسلحة السودانية من مرحلة الدفاع عن المواقع إلى مرحلة صناعة الواقع الميداني، حيث أصبح ميزان المبادرة بيدها، بينما انحسر المجال أمام ميلشيا الدعم السريع إلى نطاقات ضيقة تتآكل فيها قدرتها على الحركة والتأثير.
منطق الاستنزاف وكسر الحصار: تحولات الميدان بعيون النظرية الاستراتيجية .. بقلم / د. إسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجى .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية
المقالة السابقة


