Popular Now

جذور و أوراق .. في رحاب المنافحة والوطنية _ قراءة في استطلاعات مركز الخبراء العرب .. بقلم/ موفق عبدالرحمن

سلسلة الحرب على السودان .. المقال (57).. ساعة الحسم في السودان: تحالف الرياض–القاهرة يواجه مشروع الفوضى … والإمارات خارج معادلة السلام

إشكالية تحديد المواقع التوراتية بين غور الأردن ووادي النيل ( 1 من 2 ) .. بقلم/ د.بابكر عبدالله محمد علي

سلسلة الحرب على السودان .. المقالة رقم (55) .. عقوبات بلا أخلاق: حين يساوي الاتحاد الأوروبي بين الجيش والميلشيا ويغضّ الطرف عن رعاة الفوضى .. إعداد/ د الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

مقدمة:
أوروبا تُعاقب الدولة وتكافئ الفوضى
لم تعد أزمة الموقف الأوروبي من حرب السودان مجرد سوء تقدير سياسي، بل تحوّلت إلى فضيحة أخلاقية مكتملة الأركان. فالاتحاد الأوروبي، الذي يرفع شعارات القانون الدولي وحقوق الإنسان، اختار أن يساوي بدمٍ بارد بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، واضعاً الدولة والمليشيا في ميزان واحد، في سابقة تُعد من أخطر ما أُنتج سياسياً منذ اندلاع الحرب.
الجيش السوداني، الذي يتجاوز عمره قرناً من الزمان، والذي قاتل إلى جانب المستعمر الأوروبي نفسه في الحرب العالمية الثانية، يُجرّد اليوم من تاريخه ودوره، ويُعامل كطرفٍ مساوٍ لمليشيا متهمة بارتكاب جرائم حرب وبتدمير المدن وتهجير المدنيين ونهب مقدرات الدولة.
إنها ليست عقوبات… بل إدانة غير مباشرة لفكرة الدولة الوطنية نفسها.
أولاً: عقوبات انتقائية… وميزان مائل عمداً
تطرح العقوبات الأوروبية أسئلة لا يمكن الهروب منها:
لماذا لم تُفرض أي عقوبات على موسى مادبو، ناظر عموم قبائل الرزيقات، رغم الاتهامات الواسعة بتوفير الغطاء الاجتماعي والسياسي للحرب؟
لماذا غاب اسم العمدة أبو شوتال بجنوب النيل الأزرق، الذي يقود فصيلاً مسلحاً يقاتل إلى جانب الدعم السريع، عن قوائم العقوبات؟
بأي منطق تُعاقَب قيادات أهلية في ولاية الجزيرة، ويُدرج اسم القائد أبو عاقلة كيكل قائد درع السودان، بينما تُستثنى شخصيات وفصائل أكثر تورطاً وتأثيراً؟
الإجابة الواضحة أن المعيار ليس الفعل، بل القابلية للعقاب، وليس المسؤولية، بل الموقع في خارطة النفوذ والضغط.
ثانياً: مساواة الجيش بالمليشيا… هدم منظم لمفهوم الدولة
حين يساوي الاتحاد الأوروبي بين الجيش الوطني والمليشيا، فإنه يرسل رسالة مدمرة:
لا فرق بين من يحمي الدولة، ومن يسعى إلى تفكيكها.
هذه السياسة:
تمنح المليشيات شرعية سياسية غير مستحقة،
تشجع على حمل السلاح خارج إطار الدولة،
وتُضعف أي مسار حقيقي لبناء السلام.
إنها نفس الوصفة التي دمّرت ليبيا، ويُعاد تصديرها اليوم إلى السودان دون خجل أو مراجعة.
ثالثاً: الإمارات… الحاضر الغائب عن كل القوائم
السؤال الذي يفضح ازدواجية المعايير الأوروبية: لماذا لم تُفرض أي عقوبات على دولة الإمارات العربية المتحدة؟
دولة لم يعد تورطها في الحرب السودانية محل شك، بل أصبح مدعوماً بتقارير وتحقيقات وتصريحات دولية متراكمة، تفوق في وضوحها ما نُسب إلى شخصيات محلية مثل أمير (الكواهلة) الطيب جودة.
الصمت الأوروبي هنا ليس حياداً، بل:
خضوع لنفوذ المال،
استجابة لضغوط جماعات مصالح،
وتواطؤ سياسي مغلّف بلغة دبلوماسية ناعمة.
وبذلك، يتحول الاتحاد الأوروبي من وسيط محتمل إلى مظلّة سياسية غير مباشرة لرعاة الحرب.
رابعاً: العقوبات وتمدد الحرب نحو القرن الأفريقي والبحر الأحمر
الأخطر من العقوبات نفسها هو أثرها الإقليمي. فإضعاف الجيش السوداني سياسياً، ومنحه ذات الصفة التي تُمنح للمليشيات، لا يهدد السودان وحده، بل يفتح أبواب الفوضى على مصراعيها في:
القرن الأفريقي،
وممرات البحر الأحمر،
وأمن الملاحة الدولية.
السودان ليس دولة هامشية، بل مفتاح استقرار إقليمي، وأي تفكيك متعمد لمؤسساته العسكرية يعني:
تصاعد نشاط الجماعات العابرة للحدود،
تهديد خطوط التجارة العالمية،
وتحويل البحر الأحمر إلى ساحة صراع مفتوح.
وهنا، فإن أوروبا لا تُخاطر بالسودان فقط، بل تلعب بالنار في واحدة من أخطر مناطق العالم.
خامساً: المشهد الداخلي… من الغضب إلى انكشاف النوايا
في الداخل، لم تعد هذه السياسات تمر دون رد. دعوات عبدالرحمن الصادق المهدي عكست تحوّلاً مهماً داخل النخب السياسية، واعترافاً ضمنياً بأن المجتمع الدولي لا يتحرك بدافع السلام، بل وفق حسابات مصالح.
في المقابل، تطلق بعض القوى رسائل ضبابية عن “الاستمرار”، كما في تصريحات علي كرتي، في مشهد يعكس كيف أسهم التخبط الدولي في تعقيد الساحة السياسية وإطالة أمد الحرب.
سادساً: واشنطن مقابل بروكسل… تناقض المعسكر الغربي
بينما يواصل الاتحاد الأوروبي سياسة التمييع، تظهر الولايات المتحدة – ولو جزئياً – بموقف أكثر وضوحاً:
صفر تسامح مع هجمات الدعم السريع على المساعدات،
تصريحات أمريكية ترسم ملامح تحرك لإنهاء الحرب،
ترحيب سوداني بالقرار 1591 كآلية يمكن التعامل معها إذا طُبّقت بعدالة.
هذا التناقض يُضعف الخطاب الغربي، ويكشف غياب الرؤية الموحدة، ويمنح أطراف الحرب مزيداً من الوقت والدم.
سابعاً: البرهان والميدان… حيث تُصنع الشرعية
في مواجهة هذه الضغوط، يواصل الفريق أول عبد الفتاح البرهان مخاطبة الداخل من الميدان، مترجلاً لتحية القيادات الأهلية، ومعلناً من أزرق طيبة محاسبة المحرّضين ضد الجيش والدولة.
إنها رسالة واضحة:
شرعية الدولة لا تُمنح من بروكسل… بل تُصان بإرادة شعبها.
خاتمة: أوروبا أمام لحظة الحقيقة
إن استمرار الاتحاد الأوروبي في معاقبة الدولة ومساواة الضحية بالجلاد، مع تجاهل الدور الإقليمي التخريبي، لن يؤدي إلا إلى:
إطالة الحرب،
تعميم الفوضى إقليمياً،
وسقوط ما تبقى من مصداقية للوساطات الدولية.
السودان لا يحتاج إلى بيانات ناعمة ولا عقوبات انتقائية، بل إلى موقف دولي شجاع يقول بوضوح: هذا جيش وطني… وتلك مليشيا،
وهذه دولة… وتلك فوضى،
وهنا سيادة… وهناك ارتهان.
وما لم تستوعب بروكسل هذه الحقيقة، فستبقى جزءاً من الحرب، لا جسراً نحو السلام.

المقالة السابقة

لكلِّ بَلَدٍ إبستينه .. والعاقل من اعتبر بغيره وانشغل بخاصَّته .. فقرأ ما بين السطور وادَّكَر مُستشرِفاً غير المسطور .. بقلم/ اللواء (م) مازن محمد اسماعيل

المقالة التالية

وجه الحقيقة | الدعم السريع.. من المظلّة إلى المقصلة…! .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *