Popular Now

سلسلة الحرب على السودان .. المقال (60) .. سيناريوهات شكل الدولة السودانية بعد الحرب: مركزية قوية أم توازن أقاليم؟

أصل القضية |من سلسلة الجسر والمورد .. فشل الدولة في احتواء الخطاب المدني (٣-٨) .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

لا يمكن دفن الظل ..قراءة وطنية في معنى المواجهة وبناء المستقبل .. بقلم/ د.احمد الطيب السماني الطيب

سلسلة الحرب على السودان .. المقال (60) .. سيناريوهات شكل الدولة السودانية بعد الحرب: مركزية قوية أم توازن أقاليم؟

مقدمة: معركة ما بعد المدافع
كل الحروب تنتهي باتفاق أو إنهاك، لكن أخطر مراحلها ليست لحظة الصمت العسكري، بل لحظة إعادة تشكيل الدولة. والسودان اليوم يقف على أعتاب هذا المنعطف التاريخي؛ إذ لم يعد السؤال: من ينتصر عسكريًا؟ بل: أي دولة ستولد من رماد الحرب؟
شكل الدولة القادم لن يكون نتاج نصوص دستورية فقط، بل حصيلة توازنات القوة على الأرض، ومصالح الفاعلين الإقليميين، وإرادة الداخل الشعبي. لذلك فإن قراءة سيناريوهات بنية الحكم ليست تحليلًا نظريًا، بل استشراف لمستقبل الاستقرار أو عودة الصراع.
أولًا: سيناريو الدولة المركزية الصلبة
هذا السيناريو يقوم على إعادة بناء سلطة مركزية قوية في الخرطوم تُحكم قبضتها على الجيش والاقتصاد والقرار السياسي. ويستند إلى فرضية أن الحروب الأهلية تُنهي عادةً التشتت وتدفع نحو مركزية صارمة لضبط الأمن.
مزاياه:
سرعة استعادة الاستقرار الأمني
وحدة القرار السيادي
القدرة على فرض الإصلاحات الاقتصادية
مخاطره:
عودة نمط الحكم السلطوي
تهميش الأقاليم مجددًا
احتمال تفجر تمردات جديدة
هذا النموذج تاريخيًا هو الأكثر تكرارًا في السودان، لكنه أيضًا الأكثر إنتاجًا لدورات الصراع.
ثانيًا: سيناريو الدولة اللامركزية المتوازنة
يقوم هذا التصور على إعادة توزيع السلطة والثروة بين المركز والأقاليم، بحيث تُمنح الولايات صلاحيات حقيقية في الإدارة والاقتصاد والتنمية.
مقومات نجاحه:
دستور توافقي يحدد صلاحيات واضحة
نظام مالي عادل لتوزيع الموارد
مؤسسات رقابة مستقلة
ميزته الاستراتيجية:
أنه يعالج جذور الأزمة السودانية المتمثلة في شعور الأطراف بالتهميش التاريخي.
لكن هذا النموذج يتطلب نخبة سياسية ناضجة ومؤسسات قوية، وهي عناصر لا تزال قيد التشكل.
ثالثًا: سيناريو الدولة التوافقية الانتقالية
وهو الأكثر واقعية في المدى القصير، ويقوم على مرحلة انتقالية قصيرة تقودها حكومة تكنوقراط مستقلة ذات مهام محدودة، كما أشرتَ في رؤيتك التحليلية.
وظيفتها الأساسية ليست الحكم بل إعادة تأسيس الدولة عبر:
تنظيم انتخابات برلمانية
صياغة دستور دائم
إطلاق إصلاح اقتصادي عاجل
إعادة بناء المؤسسات
هذا السيناريو يمثل الجسر بين الحرب والدولة المستقرة، لكنه يفشل إذا طال أمد المرحلة الانتقالية أو تحولت إلى ساحة صراع نخبوي.
رابعًا: العامل الحاسم — إرادة الشعب لا توازن السلاح
رغم أهمية ميزان القوة العسكري، فإن التجربة السودانية منذ 2019 أثبتت أن الشارع قادر على تغيير المعادلة. لذلك فإن السيناريو الأكثر استدامة هو الذي يمنح الشرعية عبر صندوق الانتخابات لا فوهة البندقية.
الشعب السوداني سيظل العامل المرجّح، لا لأن لديه القوة المسلحة، بل لأنه يملك الشرعية التاريخية والسياسية.
خامسًا: خريطة الاحتمالات المرجّحة
وفق قراءة توازنات الواقع:
السيناريو
احتمال التحقق
المدى الزمني
الدولة المركزية
متوسط
قصير المدى
الدولة التوافقية الانتقالية
مرتفع
المرحلة الأولى
الدولة اللامركزية المتوازنة
مرتفع مشروط
المدى البعيد
الاستنتاج:
السودان على الأرجح سيمر بثلاث مراحل متتالية لا بمرحلة واحدة:
انتقالية → مركزية مؤقتة → لا مركزية مستقرة
خاتمة: المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد
انتهاء الحرب لا يعني نهاية الصراع، بل بداية صراع أخطر: صراع شكل الدولة.
فإما أن يُعاد بناء السودان على أسس العدالة المؤسسية والتوازن الإقليمي،
أو يعود إلى الحلقة التاريخية ذاتها:
مركز قوي… أطراف غاضبة… ثم حرب جديدة.
والدرس الأهم من تاريخ السودان الحديث هو:
الدولة التي لا تتسع لجميع أقاليمها… تضيق حتى
ستُقصى من المشهد السياسي بعد الحرب: من يخسر معركة ما بعد السلام؟”

المقالة السابقة

أصل القضية |من سلسلة الجسر والمورد .. فشل الدولة في احتواء الخطاب المدني (٣-٨) .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *