لم تعد الحرب في السودان صراعًا داخليًا معزولًا، بل تحولت إلى نقطة التقاء لمشاريع نفوذ إقليمية ودولية تتنافس على رسم ملامح المرحلة القادمة. فمع تعقّد المشهد الميداني، بدأت العواصم المؤثرة تنظر إلى الأزمة باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب التوازنات، لا مجرد أزمة تستوجب الاحتواء.
أولًا: معادلة الأمن القومي الإقليمي
ترى مصر أن استقرار السودان جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، بسبب الامتداد الجغرافي والترابط الاستراتيجي، إضافة إلى ارتباط الملف السوداني مباشرة بقضية نهر النيل. لذلك فإن أي اضطراب طويل في السودان يُقرأ في القاهرة باعتباره تهديدًا استراتيجيًا يتطلب موقفًا حاسمًا.
في المقابل، تتحرك إثيوبيا وفق رؤية مختلفة، إذ تعتبر أن التحولات داخل السودان قد تعيد تشكيل توازنات القوة في الإقليم، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالمياه والحدود والنفوذ الجيوسياسي.
ثانيًا: البحر الأحمر… مفتاح النفوذ
يمثل البحر الأحمر محورًا خفيًا في معادلة الصراع. فالممر البحري الحيوي يشكل شريانًا للتجارة العالمية، وميدان تنافس بين قوى تسعى لتعزيز حضورها العسكري أو الاقتصادي على ضفافه. وبحكم موقع السودان الساحلي، يصبح التحكم في استقراره أو التأثير عليه مدخلًا غير مباشر للتأثير في معادلة البحر الأحمر نفسها.
ثالثًا: لعبة التوازنات الدولية
المواقف الدولية تجاه السودان تكشف انقسامًا واضحًا بين دول تدفع نحو وقف فوري للحرب، وأخرى تربط الحل بإعادة تشكيل السلطة السياسية. هذا التباين لا يعكس خلافًا إنسانيًا بقدر ما يعكس اختلافًا في الرؤية الاستراتيجية لمستقبل الدولة السودانية ودورها الإقليمي.
فبعض القوى ترى السودان دولة محورية يجب الحفاظ على تماسكها، بينما تنظر إليه أطراف أخرى كساحة يمكن إعادة هندسة توازناتها بما يخدم مصالحها.
رابعًا: السودان ساحة تقاطع لا طرفًا في المعادلة
أخطر ما في المشهد أن السودان بات في نظر كثير من القوى ساحة تقاطع مصالح لا لاعبًا رئيسيًا. فعندما تتعدد الأجندات الخارجية، تتراجع قدرة الدولة المنهكة بالحرب على فرض أولوياتها الوطنية، وتصبح أكثر عرضة للضغوط السياسية والاقتصادية.
خلاصة المشهد: حرب الداخل بعيون الخارج
تشير المعطيات إلى أن الحرب في السودان لم تعد تُخاض فقط بين أطراف محلية، بل تُدار أيضًا ضمن صراع محاور إقليمي ودولي يسعى كل طرف فيه إلى ضمان موقع متقدم في ترتيبات ما بعد الحرب. وفي مثل هذه الظروف، يصبح مستقبل البلاد


