مقالات الرأي
أخر الأخبار

وجه الحقيقة … ود مدني لم تكن صفقة وإنما عرق و دماء؟! .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

من خلال مراقبة سير الحرب في السودان و تداعياتها الإقليمية و الدولية يبقى تحرير مدينة ود مدني في 11 يناير 2025 من مليشيا الدعم السريع محطَّة تحول كبيرة. هذا الحدث العسكري يعكس تغييرًا حاسمًا في مسار الصراع السوداني إذ يشير إلى تغير في موازين القوى داخل البلاد. العملية العسكرية التي نجح فيها الجيش السوداني في استعادة المدينة عبر محاور متعددة و بعد تحضير معقّد اعتمد علي الخبرة و معرفة طبيعة الأرض، لم تكن مجرد استعادة منطقة استراتيجية، بل هي مؤشر على إعادة رسم المشهد العسكري و السياسي السوداني و التأكيد على أن السودان قادر على فرض سيادته رغم التحديات.

تحرير ود مدني عبر عن قدرة الجيش في ادارة المعركة سبقتها عملية استخباراتية معقدة. اشتملت على استراتيجيات متعددة مثل العمليات التكتيكية بغرض استنزاف العدو و التي بدأت بضرب منظومة التشويش و الاتصال، فضلاً عن الإنزال الجوي خلف خطوطه الذي عزل بشكل فعّال قيادة المليشيا داخل المدينة عن خارجها. لكن الأبعاد الأعمق لهذا الانتصار تكمن في دلالاته السياسية و الاقتصادية؛ فود مدني ،كونها قلب الزراعة السودانية، تعني استعادة جزء من الاقتصاد الذي كان مهددًا، و هو ما سيترتب عليه إعادة توازن في الموارد و المصادر الحيوية للدولة السودانية خصوصًا و أن البلاد مقبلة علي موسم زراعي ينتظر أن يساهم في تعزيز عملية الإنتاج و وفرة الغذاء.

إن مليشيا الدعم السريع التي اعتمدت على الهجوم السريع و الفزع المتواصل و العنف لتحقيق أهدافها باتت في مرحلة انهيار. لقد فشلت هذه المليشيا في توفير قاعدة دعم شعبية أو حتى حاضنة محلية حيث تبخرت في الهواء، الإدارة المحلية المزعومة التي أقاموها في ولاية الجزيرة التحولات الميدانية تظهر أن المليشيا قد طويت صفحتها. فالنصر في ود مدني يمثل نقطة فاصلة بين طموحات المليشيا و انهيارها، مظاهر الاحتفال العفوي التي اجتاحت المدن السودانية و مدن أخرى خارج السودان حملت رسالة واضحة: الشعب يقف خلف جيشه لاستعادة الأمن و السلام. و مثّل ذلك صفعة قوية على وجه الداعمين الإقليميين و المحليين الذين راهنوا علي الخذلان على نشر الفوضى و ترويع المدنيين لكنهم لم يحسبوا حسابًا لهذا التلاحم الشعبي مع الجيش. كان قرارهم بتوسيع الحرب خارج الخرطوم و الاستعانة بمرتزقة أجانب خطأً استراتيجيًا أدى إلى عزلتهم داخليًا و خارجيًا.

الادعاء بأن تحرير ود مدني تم بصفقة هو مجرد محاولة لخلط الأوراق و إفساد الفرحة الشعبية بإنجاز وطني حقيقي صنعه عرق الميدان و دماء الشهداء. حلفاء المليشيا في تنسيقية القوى المدنية “تقدم”، يروجون لهذا المزاعم ليعكسون فشلهم بعد سقوط مشروعهم السياسي الذي كان يعتمد على الهيمنة المدعومة إقليميًا و يخطط لقيام حكومة بدعوى نزع الشرعية. الواقع أن التحرير تم عنوة و جسارة، فالحديث على صفقة غير موجودة إلا في خيالهم المخزي و حديثهم الكذوب. هذه المزايدات السياسية البائسة تسعى فقط لزرع الشكوك و إضعاف التلاحم الوطني النضر، لذلك على الجميع أن يدرك أن هذه الادعاءات لا تخدم إلا أجندات الضيقة التي تهدف إلى تقويض الأمن و الاستقرار السياسي.

إن انتصار الجيش السوداني في تحرير ود مدني يعكس تطورًا استراتيجيًا له تداعياته الإقليمية و الدولية. على الصعيد الإقليمي يطرح هذا الانتصار تساؤلات حول مواقف دول الجوار التي كانت تتجاهل أو تقف في موقع محايد إزاء الأزمة السودانية . بجانب تلك التي قدمت دعم مباشر بالمال والسلاح واستعواض المقاتلين أطال أمد الحرب وكشف عن محاولة لتقويض إستقرار البلاد و أطماع في مواردها . هذه التطورات تشير إلى أن السودان لن ينسي خذلان بعض جيرانه مثلما لن ينسي وقوف أصدقاءه إلى جانبه .

أما عن المبادرات الدولية والإقليمية التي كانت تهدف إلى “الوساطة” بين الحكومة السودانية والمليشيا قد فقدت فعاليتها مع تقدم الجيش وانتزاعه للانتصارات . المبادرات التركية على سبيل المثال ، رغم ما تملكه من تأثير إقليمي تواجه تحديًا في إعادة تموضع مواقفها في ظل المعطيات الجديدة على الأرض. منبر جدة الذي كانت تطمح بعض القوى الدولية لتوظيفه من أجل فرض حلول وسطية، لا يبدو أنه يمثل حلًا مناسبًا في ظل موازين القوى الجديدة و هو ما يفتح الباب أمام مراجعة شاملة لمواقف المجتمع الدولي تجاه الحرب في السودان.

لا يمكن إغفال دور الإعلام في تشكيل الرأي العام الدولي حول الحرب في السودان التي تمثل تمردًا واضحًا من مليشيا على سلطة الدولة، إلا أن قصور بعض القنوات الإعلامية في تقديم هذا التعريف الصحيح تسبب في أضرار بالغة أثر علي تحديد مسؤوليات الأطراف المتورطة في الحرب . الفشل في تعريف الحرب على أنها صراع بين دولة ومتمردين يعد تضليلا متعمدًا ساهم في تعزيز حالة الإرباك و خذل الشعب السوداني.

هذا و بحسب ما نراه من وجه الحقيقة فإن تحرير ود مدني يؤكد أن الطريق نحو استعادة الأمن و السلام في بلادنا يمر عبر الوحدة و السيادة الوطنية بعيدًا عن التدخلات الخارجية. و أن مصير السودان في يد شعبه و جيشه، و ليس في يد قوى إقليمية أو دولية، فالمستقبل يتطلب سياسة مستقلة و مواقف أكثر نضجًا من العالم تجاه قضايا السودان. كما أنه لا بد من إعادة صياغة الخطاب الإعلامي الوطني ليعكس صورة الواقع السوداني بعيدًا عن الابتزاز و محاولات تغبيش الوعي استعدادًا لمرحلة إعادة البناء.
دمتم بخير و عافية.
الأحد 12 يناير 2025م
Shglawi55@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى