Popular Now

سلسلة صفقات ترامب (الحلقة السادسة) .. أفريقيا في قلب القسمة الكبرى: من انحسار أوروبا إلى صعود الصين وروسيا .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

امريكا وحلفائهما وممارسة الطغيان والتطرف والإرهاب علي العالم اجمع باسم الديمقراطية .. ” 2 من 3 ” ( قانون الغاب والاستخواذ ) .. بقلم/ د.بابكر عبدالله محمد علي

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. لا للحرب… كيف أُفرغت الانتصارات من معناها؟ .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أزمة لسان الصحافة من لدن المتنبئ وحتى صحفيي السياسيين والحركات المسلحة .. بقلم/ د. محمد حسن فضل الله

منذ أن رفع المتنبي صوته في بلاط سيف الدولة، كانت السلطة مرآةً تلمع أمام عينيه، تارةً يستظل بظلها، وتارةً يحترق بلهيبها. كان الشاعر فارساً بالكلمة، يرى في السلطان باباً إلى الخلود، وفي بلاط الأمراء سلّماً إلى المجد. وما زال يتردّد صدى قوله: إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ… فلا تقنعْ بمـا دون النجومِ. كأنما أراد أن يقول إن السلطة ليست مالاً ولا قصراً، بل هي شرفٌ وعلوّ، هي مقام من يملك زمام الناس.
لكن المتنبي، وهو الأديب المتمرد، لم يقف عند مدح السلاطين طلباً للرزق، بل كان يتطلع إلى سلطة أكبر: سلطة الكلمة، وهيمنة الشعر على عروش القلوب. وفي سريرته نزاعٌ أبديّ بين أن يكون سيداً على قصيدته أو تابعاً في بلاط أميرٍ يتقلب في رضاه وغضبه. لقد أراد أن يكون نبيّاً بلا وحي، وسلطاناً بلا عرش، فما وسعه زمانه إلا أن يظل شاعراً يطارده السؤال: من يحكم من؟ السلطان على الشاعر أم الشاعر على السلطان؟
ومن لدن المتنبي حتى زماننا، ظلّت السلطة تُطلب بوجوه مختلفة. تغيّر السيف إلى كرسي، والعرش إلى منصب، لكن الجوهر واحد: نزوع الإنسان إلى السيطرة، شهوة التفرد، وهاجس الخلود. كم من رجالٍ في عصرنا لبسوا لبوس السياسة لا طلباً للعدل ولا نصرةً للضعفاء، بل افتتاناً ببريق الكرسي، حتى صار الكرسي نفسه هو الشعر الذي ينشدونه، والقصيدة التي يضحّون في سبيلها بالأوطان والأجيال.
غير أنّ بين الماضي والحاضر فارقاً خفياً؛ فالمتنبي، رغم مدحه للأمراء، ظلّ يرى أن العظمة تُقاس بما يتركه اللسان من أثر، لا بما يتركه السلطان من قصر. أما في زماننا، فقد صار كثير من طالبي السلطة يكتفون بالظلّ، ويرضون أن يعيشوا في قفصٍ من ذهبٍ دون أثرٍ خالد، كأنما رضوا أن يكونوا صدى بلا صوت، وخطاً باهتاً في دفتر التاريخ.

منذ تفجر حرب الكرامة لقد ارتمى كثير من الصحفيين في أحضان السياسيين بعضهم بدافع الخوف، وبعضهم طلباً للمكاسب، وآخرون منساقون خلف شعاراتٍ كبيرة ظنّوها خلاصاً، فتحوّل القلم الذي كان يجب أن يكون ميزاناً للعدل إلى سيفٍ مسلّط في معركة الانقسام. وحين يذوب الصحفي في أيديولوجيا، أو يتحوّل إلى بوقٍ لحركة مسلحة، فإن الحبر يفقد نقاءه، وتتحوّل الكلمة إلى طلقةٍ لا تفرّق بين حق و باطل.

إن أخطر ما في هذا الارتماء أنه يُفقِد الصحافة وظيفتها الأخلاقية. فهي بدلاً من أن تحمي الناس من الاستغلال، تصير أداةً في يد من يستغلّهم. وبدلاً من أن ترفع صوت الضحايا، تُسخَّر لتبرير سقوط المزيد منهم. وهنا تنكسر الثقة، فيصبح الصحفي أسيراً للسياسي، ويغدو المواطن بلا بوصلة، يتأرجح بين بيانات متناقضة وخطابات ملوثة.

غير أن المشكلة ليست في الأفراد وحدهم، بل في البنية التي تحاصرهم: انعدام الاستقلال المالي للمؤسسات الصحفية، غياب التشريعات الحامية لحرية الكلمة، واستقطاب الحرب الذي لا يترك مجالاً للحياد. في مثل هذا المناخ، يصبح الاستقلال شجاعة نادرة ويغدو الحياد تهمةً أقسى من الانحياز.

إن بلادنا اليوم أحوج ما تكون إلى صحافةٍ تقف على مسافة واحدة من الجميع، لا تُعادي ولا تُجامل، بل تحاكم الجميع إلى ضمير الوطن. فالصحافة ليست حزباً ولا حركة، وإنما هي الذاكرة الحيّة للشعب، وميزان العقل حين تضلّل العواطف. وإذا استسلمت الكلمة لسحر السلطة وبريق السلاح، فلن يبقى من الصحافة سوى أطلال ولن يبقى للناس من الحقيقة سوى صدًى مشوَّه.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي ، رقم 5700 بتاريخ 4 سبتمبر 2025 ..الدعم السريع ، يريد أن يحكم كل السودان !!!

المقالة التالية

المحكمة الدستورية واستقرار التشريع .. بقلم/ دكتور مستشار قانوني النميري حسين الكميلابي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *