في ليالي الوطن المُوحشة، حين تُطفأ الأنوار ويُغلق الباب على الخوف، لا ينجو إلا من عرف أن الدفء لا يصنعه الحطب وحده، بل القرب… ولو كان في القرب أشواك. هكذا تفعل القنافذ. تقترب رغم الألم، لأن ما ينتظرها إن تفرّقت… هو الموت.
ألا ترى؟ نحن قنافذ السودان.
أبناؤه، جنوده، معلموه، مزارعوه، نساؤه الصابرات، شبابه الحالمون، شيوخه المبتلون. نحن كل هذا. ولسنا بحاجة لأن نذيب أشواكنا، بل أن نعرف كيف نحتملها… لأجل دفء لا يصنعه إلا السودان حين يحتضن أبناءه.
نعم… ليتنا نفهم.
سقطنا حين ظننا أن الخصومة تعني القطيعة، وأن الشعار يكفي لبناء وطن، وأن من يسكن الثكنة لا يسكن القلب. لكن السودان… ليس ميدان معركة بين “مدني” و”عسكري”. هو جُرح نازف يحتاج لكل يد، كل عقل، كل قلب.
ألم نسأل أنفسنا: ماذا بعد “تسقط بس”؟
سقط النظام، ثم سقطت الدولة… فهل نُسقِط الوطن أيضًا؟
لا لأنه كان لا يُخطئ، بل لأننا هدمنا السقف قبل أن نُشيد الأعمدة. والآن، في زمن لا يعرف إلا الحريق، خرج من بيننا من وقف… لا ليحكم، بل ليحمي.
الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ليس نبيًا ولا معصومًا. لكنه ابن البلد. لا جاء ببارجة، ولا تسلل عبر أجندة. جاء من الأرض، من الرمال التي عبرها مشيًا في زيّه العسكري، لا ليُعاقب، بل ليمنع التمزق.
ليس المطلوب أن نحبه… بل أن نُنصفه.
أن نحاوره بلا خيانة، ونحاسبه بلا كراهية، ونختلف معه بلا أن نخون من خلفه.
> السودان اليوم لا يبحث عن بطل، بل عن صَف.
صف متراص كالقنافذ في برد الشتاء، تعرف أن شوكة الأخ أهون من سمّ العدو.
نحتاج لنقترب، لا لنتشابه.
نحتاج لنؤمن، لا لنُهلِّل.
نحتاج لأن نرفع العلم، لا صور الأفراد، فالسودان أقدس من الجميع.
المؤسسة العسكرية؟
هي ليست حزبًا، ولا دُكانًا. هي وريدٌ من أوردة الوطن. قد يُصاب، لكنه لا يُبتر. وعلينا أن نُصلح لا أن نُخرّب، أن نُنقِّح لا أن نُقصي.
أصل القضية،،،
إن كانت هناك لحظة لنعيد السودان إلى مساره، فهي الآن.
وإن كان هناك صوت يستحق أن يُسمع، فهو صوت الشعب… حين يتحدث بوطنية لا بهُتاف.
وإن كان هناك خيار نحتاج أن نتخذه… فهو أن نكون قنافذ هذا الوطن.
نتقارب، نحمي بعضنا، نصبر على الشوك، وندفئ مستقبلنا.
فلنكن قنافذ لا لتفادي البرد فقط، بل لنُحيي وطنًا يستحق أن ندفئه بأرواحنا.
السودان لا ينقصه الذهب، بل الإيمان بأهله.
لا تنقصه الأرض، بل القلوب التي تزرع فيها الحُب لا الحقد.
لا ينقصه الرجال، بل الصف الواحد، حين تغيب الأنانية ويعلو الوطن.
فلنكن قنافذ هذا الزمن المرّ، ولا نترك السودان يموت من البرد ونحن نملك الدفء.

