Popular Now

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. عودة الدولة…أم عودة الأشخاص ؟! .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

سلسلة صفقات ترامب (الحلقة السادسة) .. أفريقيا في قلب القسمة الكبرى: من انحسار أوروبا إلى صعود الصين وروسيا .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

امريكا وحلفائهما وممارسة الطغيان والتطرف والإرهاب علي العالم اجمع باسم الديمقراطية .. ” 2 من 3 ” ( قانون الغاب والاستخواذ ) .. بقلم/ د.بابكر عبدالله محمد علي

أصل القضية … الأمم المتحدة ومصير المواثيق: تحديات القطبية الجديدة .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر

منذ تأسيسها عام ١٩٤٥م، كانت الأمم المتحدة الركيزة الأساسية التي استعان بها العالم لإعادة بناء نظام دولي قائم على السلام، الأمن، و التعاون. مواثيقها و معاهداتها كانت تمثل الأمل في عالم يسوده القانون و العدالة. و لكن اليوم، و نحن نشهد تحولاً كبيرًا في موازين القوى العالمية و عودة القطبية الثنائية، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل الأمم المتحدة لا تزال قادرة على تحقيق أهدافها في ظل هذا العالم المتغير؟ و هل يمكن للسودان أن يلعب دورًا محوريًا عبر استراتيجية الجسر و المورد في هذه التحولات الجيوسياسية الكبرى؟

التحول غير المتوقع: القطبية الجديدة و فرصة الأمس الحاضر:
الأمم المتحدة اليوم تجد نفسها في مواجهة تحدٍ غير مسبوق. فبعد عقود من الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي، نرى عودة لسباق نفوذ بين قوى مثل الصين، روسيا، و الولايات المتحدة، مع صعود لاعبين جدد من آسيا و إفريقيا و أمريكا اللاتينية. في هذا السياق، تبدو المنظمة الدولية و كأنها في حاجة إلى إعادة ابتكار دورها في العالم. و لكن المفاجأة هنا تكمن في الفرصة الكبيرة التي تتيحها هذه العودة للقطبية المتعددة: إذ أن هذا التحول يخلق مساحة للأمم المتحدة لتكون وسيطًا فاعلاً بين هذه القوى، و لتعيد صياغة مبادئها بما يتماشى مع التغيرات الجارية.
وهنا يأتي دور السودان كبلد يتفرد بموقعه الاستراتيجي وموارده الضخمة. السودان يمكنه أن يقدم نفسه كنموذج للاستفادة من هذا النظام المتجدد، عبر استراتيجية الجسر والمورد، حيث يمكن أن يصبح وسيطًا حيويًا بين الشرق والغرب، ويوظف موارده لخدمة مصالحه الوطنية و الإقليمية و الدولية.

استنهاض الذاكرة: ما لا يُقال عن مواثيق الأمم المتحدة:
عندما نتحدث عن الأمم المتحدة، قد يفكر البعض في هيئة دولية عاجزة عن تحقيق وعودها. لكن ما لا يعرفه الكثيرون أن المواثيق التي تأسست عليها الأمم المتحدة لا تزال تحمل في جوهرها قوة حقيقية لم تستغل بالكامل. من ميثاق حقوق الإنسان إلى اتفاقيات نزع السلاح وتغير المناخ، هذه الوثائق تشكل أساسًا للعدالة الدولية التي يسعى العالم لتحقيقها. وهنا تأتي الفرصة غير المتوقعة: فالتحول الجيوسياسي الحالي قد يفتح الباب أمام تجديد تلك المواثيق لتعكس الأولويات الحالية، و لكن في إطار يعتمد على قيم التضامن و العمل الجماعي.
السودان، بتاريخ طويل من الأزمات و الحروب، يعرف جيدًا قيمة تلك المواثيق. فباعتباره بلدًا يملك موارد هائلة في مجالات الزراعة، المعادن، و المياه، بإمكانه أن يكون رائدًا في تعزيز التعاون الدولي حول قضايا الأمن الغذائي و المائي عبر الأمم المتحدة. بفضل استراتيجية الجسر و المورد، يمكن للسودان أن يقدم نفسه كلاعب دولي لا يتوقف عند كونه ضحية للأزمات بل يساهم بشكل فاعل في صياغة الحلول.

القطبية الجديدة: فرصة لتعزيز السيادة و الاستفادة من التغيرات:
في ظل عودة القطبية الثنائية، يجد السودان نفسه أمام مفترق طرق تاريخي. القوى العظمى تتنافس على النفوذ في إفريقيا، وموقع السودان الجيوسياسي يجعله محط أنظار الجميع. من هنا، تأتي استراتيجية الجسر والمورد كنهج استراتيجي لاستثمار هذا الاهتمام العالمي لصالح البلاد. فالاستفادة من هذه المنافسة يجب أن تتم بحنكة ودهاء سياسي، من خلال بناء شراكات ذكية و متوازنة مع القوى العالمية الكبرى دون التفريط في السيادة الوطنية.
من خلال هذه الاستراتيجية، يمكن للسودان أن يصبح جسرًا بين الصين و الغرب في مجالات البنية التحتية و الطاقة، وكذلك موردًا للأمن الغذائي الإقليمي و الدولي، مستفيدًا من مكانته كمفتاح لمشروعات إقليمية كبرى مثل سد النهضة و قضايا المياه في حوض النيل. هذا الدور ليس مستحيلاً إذا أحسن السودان استثمار موقعه و موارده لتوجيه القوى العالمية نحو شراكات تنموية مستدامة.

الخروج عن المتوقع: ما بعد الاستقطاب العالمي:
المتوقع عادة في الأزمات هو الانكفاء إلى الداخل، أو الاستسلام لتأثيرات الخارج. لكن المفاجأة التي يجب أن ندركها هي أن في عالم متعدد الأقطاب، ليست القوة العسكرية أو النفوذ الاقتصادي فقط ما يحدد مصير الدول. السودان يمتلك ورقة رابحة في شكل قدرته على بناء علاقات إقليمية و دولية قوية عبر استراتيجية الجسر و المورد. هذه الاستراتيجية تقوم على الجمع بين قيمنا الوطنية و تطلعاتنا في المستقبل في الوقت الذي نستفيد فيه من المواثيق الدولية لتعزيز مصالحنا السيادية.
الأمم المتحدة، ورغم التحديات التي تواجهها، لا تزال المنصة التي يمكن من خلالها توجيه النقاشات العالمية حول القضايا الأكثر إلحاحًا. والسودان يستطيع أن يكون طرفًا مؤثرًا في تلك النقاشات، ليس فقط كدولة تبحث عن حلول لأزماتها، بل كدولة تقدم حلولاً عملية لأزمات العالم، سواء في مجال الأمن الغذائي أو الاستقرار الإقليمي.

أصل القضية : السودان، الأمم المتحدة، و العالم الجديد
في النهاية، لا يمكن النظر إلى التحولات الجارية في العالم بمعزل عن السودان و دوره في النظام الدولي. فالأمم المتحدة، رغم كل التحديات التي تواجهها، لا تزال قادرة على تقديم منصة لتجاوز الانقسامات العالمية. و السودان، بموقعه الاستراتيجي و ثرواته، لديه القدرة على أن يكون جسرًا بين القوى العظمى، و من خلال استراتيجية الجسر و المورد، يمكنه أن يؤسس لنموذج من التعاون الدولي يستند إلى قيمنا الوطنية و يعزز مكانتنا على الساحة الدولية.
السؤال الذي يجب أن نطرحه الآن ليس فقط ما الذي تبقى من الأمم المتحدة، بل كيف يمكن للسودان أن يكون طرفًا فاعلاً في صياغة مستقبل هذه المنظمة الدولية في عالم جديد متعدد الأقطاب.

المقالة السابقة

🎯 استراتيجيات … التخطيط الاستراتيجي لغة المرحلة ..!! .. بقلم/ د. عصام بطران

المقالة التالية

وجه الحقيقة … السودان: الاستعداد لمرحلة التعافي المبكر .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *