حينما تنزف المدن و يتشظى العمران، لا تُرمَّم الشقوق فقط بالإسمنت و الحديد، بل تُرمَّم بالأيدي التي تعرف كيف تمسك بالمطرقة كما تمسك بالأمل. في سودان ما بعد معركة الكرامة، لا تملك البلاد ترف الانتظار، بل تملك فقط خيار أن تنهض – و أن تنهض سريعاً – على أكتاف الحرفيين، على سواعد “التلمذة الصناعية”، على التعليم الحرفي الذي ظل مهمشاً طويلاً، لكنه الآن يقف في الواجهة، شامخًا كعمود خيمة الإعمار.
مشهد أول: الورشة التي تتنفس الحياة
في حيّ شعبي شرقي الخرطوم، تسمع صوت الحديد حين يُطرق، و كأن الأرض تستعيد لحنها الأول. شابٌ في مقتبل العمر، لم يكمل دراسته الجامعية بسبب الحرب، لكنه الآن يبتكر في تشكيل الأبواب الحديدية، يحوّل القطع الباردة إلى بوابات أمل. هذا المشهد – الذي قد يبدو عادياً – هو في حقيقته نواة نهوض وطني.
التعليم الحرفي في السودان، بمدارسه و مراكزه و ورشه، لم يكن يوماً ترفاً مهنياً، بل هو اليوم ضرورة استراتيجية مُلّحة، لأنه يحمل في جوهره ثلاثية النجاة: التشغيل، الإنتاج و الاستقلال الاقتصادي.
التلمذة الصناعية: مدرسة الميدان لا الصف:
بينما تتعثر أنظمة التعليم الأكاديمي بفعل الحرب والانهيار، بقي التعليم الحرفي متماسكاً نسبياً، لأن أدواته محمولة:(منشار، مفك، زردية، مكنة لحام).
الطالب في التلمذة الصناعية لا يحتاج مكتبة ضخمة، بل يحتاج معلمًا شغوفًا، وورشة بسيطة، ومشروعًا واقعيًا.
هنا لا تُحفظ المعلومات… بل تُتقن المهارات.
لا يخرج الطالب بورقة.. بل يخرج بمهنة، بسلاح ناعم يبني ولا يهدم.
و لعل ما يميّز هذا التعليم، هو ارتباطه الوثيق بالحاجات الفعلية للمجتمع، لا بالمناهج المعلّبة في الأبراج الأكاديمية. إنه تعليم ينتجُ كهربائيًا في وقت يحتاج فيه السودان إلى النور، و نجارًا في وقت تهدمت فيه البيوت، و سبّاكًا في وقت تعطلت فيه المواسير و بنّاءً في زمن الخراب.
لماذا التعليم الحرفي ضرورة أمن قومي؟
وفقًا لـ”إستراتيجية الجسر و المورد”، فإن البناء الحقيقي للدول ما بعد الصراعات لا يبدأ من المؤتمرات، بل من الورش. فكل حرفي مدرّب هو خلية بناء، و كل شاب يتقن صنعة هو جدار مقاومة للفقر والتبعية. الحرفي المدرب يُقلّص الاعتماد على العمالة الأجنبية.
التعليم المهني يُنعش الاقتصاد المحلي لأنه يُشغّل لا يُخرّج فقط: التلمذة الصناعية تُعيد بناء “الثقة الاجتماعية”، حين يشعر الناس أن أبناءهم لا ينتظرون التوظيف الحكومي بل يصنعون وظائفهم بأنفسهم. إن تحويل الطاقة الشبابية المهدورة إلى طاقة منتجة يبدأ من الاستثمار في مراكز التدريب الحرفي، و تحفيز القطاع الخاص على دمج المتدربين، و خلق “اقتصاد حرفي وطني” يكون جزءاً من خطة الإعمار الشاملة.
مشهد ثانٍ: النهوض من بين الركام
في منطقة أم درمان القديمة، بعد أن هدأت المدافع، بدأت تظهر الخيام التدريبية التابعة لبعض المبادرات المجتمعية و المصارف الوطنية. “مدرسة على الأرض” تعلم الحياكة، النجارة، صيانة المولدات… ترى النساء يجلسن بثبات و إرادة، ترى الشباب يربطون الأسلاك بأصابع مرتعشة لكن طموحة.
هنا، الإعمار ليس مجرد مشهد عمراني، بل مشروع وطني متكامل، و التعليم الحرفي هو الرافعة الأولى لهذا المشروع.
نداء استراتيجي: من الهامش إلى المركز
> لا بدّ من إدراج التعليم الحرفي في صلب السياسة الاقتصادية و الاجتماعية للسودان، و ذلك عبر:
١. إنشاء هيئة وطنية عليا للتعليم الحرفي مرتبطة بمجلس الإعمار.
٢. دمج التلمذة الصناعية في خطة السلام و التعافي الاقتصادي.
٣. منح الحرفيين امتيازات خاصة (تمويل، رخص تشغيل، شراكات إنتاجية).
٤. ربط التعليم الحرفي بمصارف التنمية، ليكون التمويل ذراع التمكين.
أصل القضية: حين تبني السواعد وطناً
ليس بوسعنا أن نعيد بناء السودان فقط بالقوانين، و لا بالمفاوضات وحدها، بل بما تصنعه الأيادي، و تشكله العقول، و تحفره الأرواح في أرض هذا الوطن.
إن الحرفي السوداني، اليوم، هو الجندي المجهول لمعركة الإعمار.
هو من سيبني الجسر، و يحفظ المورد و يُعلي الهمة.
هو من سنقول عنه غدًا: لقد صنع سودانًا لا يُهزم.
