في السودان اليوم، لم تعد المعركة فقط بين جيش و شُذاذ آفاق.. بل تحوّلت إلى معركة وجود، حرب حياة أو موت، بقاء أو اندثار. المعركة اختلفت قواعدها، و تغيّرت أدواتها، و تعددت أوجه العدو. فإن كانت “معركة الكرامة” قد أرست القاعدة الأخلاقية لصمود الجيش والشعب في وجه المشروع المليشياوي، فإن المرحلة التي نعيشها الآن تفرض علينا تكتيكاً جديداً.. اسمه “حرب البقاء”.
نعم، البقاء للسودان.. للبسطاء، للنازحين ، وللمرابطين في خطوط النار. فميلشيا دقلو الآن، بشهادة العالم ، تنهار تدريجياً، و انكشفت عورتها الأخلاقية و العسكرية، و ما عادت تغرِّد إلا بأشلاء وطن. لكنّ الأهم من هزيمتها هو أن ندرك ما بعد الانهيار.. أن نقرأ جيداً البيدق الثاني في رقعة الشطرنج.
فما يجري اليوم ليس نهاية حرب، بل بداية أخرى.. حرب أكثر خبثاً، تُدار من الظلال، و تُسمى: هندسة الانهيار المجتمعي.
نعم، إنها هندسة مدروسة، لا تطلق الرصاص بل تُفجّر الروح الوطنية. تستهدف “النسيج”، تفكك الثقة، و تزرع الإحباط، و تُحوّل الحرب من ميادين المدافع إلى أزقة العقول و البيوت و الأسواق و المجتمعات. هذه ليست نظرية مؤامرة.. بل واقع، إذا لم نحسن قراءته سنُهزم دون طلقة.
و هنا، تقف إستراتيجية الجسر و المورد كخريطة إنقاذ وطنية.. جسر بين العزيمة الشعبية و الحلول الإستراتيجية، و مورد من الثقة و القدرة الوطنية على النجاة.
أين تبدأ الحلول؟
تبدأ من المواطن.. نعم، من المواطن البسيط، الذي يظن نفسه خارج اللعبة، بينما هو “جندي” هذه الحرب. نحتاج أن نُعيد له الثقة، نحميه من خطاب اليأس، نُرشده إلى أن الصمود لم يعد فقط بالبندقية، بل بالوعي، بالتكافل، بالوقوف في صف الدولة رغم ضعفها و رفض الفوضى رغم قسوتها.
نحتاج إلى توعية جماعية بأن:
– شراء حاجياتك من بائع نازح هو مقاومة.
– رعاية أسرة فقدت معيلها في الحرب هو نصر.
– ضبط النفس أمام الشائعات هو سلاح.
– التعاون مع الدولة ،و لو بالحد الأدنى، هو خندق دفاع.
ثم ماذا؟
يأتي دور “الإدارة التنفيذية”.. التي عليها أن تخلع ثوب الروتين، و ترتدي ثوب الطوارئ المجتمعية. لا وقت للتقليدي. المطلوب اليوم غرفة عمليات اقتصادية و اجتماعية، تقودها الدولة بالشراكة مع لجان المقاومة الحقيقية، و العقلاء من المجتمع و الكوادر الوطنية في الداخل و الخارج.
– المصارف يجب أن تتحول إلى أذرع للدعم الذكي للمجتمعات المتضررة.
– الإعلام عليه أن يستعيد رسالته الوطنية، و يتحول من منبر للنقاش إلى محرّك للوعي.
– المدارس والمراكز ينبغي أن تصبح مراكز بناء مناعة مجتمعية، لا مجرد فصول و سبورات.
نعم، المعركة الآن معركة عقول و نفوس، لا فقط بنادق و دبابات.
و ما لم نفهم أن انهيار الميلشيا قد يعقبه انفجار المجتمع إذا لم نتحرك.. سنجد أنفسنا في مرآة دول سبقتنا إلى المصير نفسه.
لكن، إن قررنا أن نكون… سنكون.
أصل القضية،،،
السودان (ما بينهار) … السودان يتعثر لكنه لا يسقط، يئنّ لكنه لا يستسلم. فقط، نحتاج أن نغيّر زاوية الرؤية، من خطاب العزة المجردة إلى تكتيك البقاء الذكي.. أن نمدّ الجسور بين العزيمة و القدرة، و نحوّل المورد الشعبي إلى ثروة إستراتيجية.
ف(البلد البتبقى.. ما بتنهار.)
