في وضح النهار، وعلى مرأى من العالم، قررت دولة تُسمى الإمارات أن تطرد الدبلوماسيين السودانيين من قنصليتهم في دبي، دون مسوّغ قانوني، ودون بيان لائق، وكأن السودان بات بلا سيادة، وبلا شعب، وبلا ذاكرة.
لم يكن ذلك فعلاً عارضاً… بل رسالة جديدة تُرسلها أبوظبي عبر البريد العاجل إلى الخرطوم:
> “لقد قررنا أن ننزع عنكم ثوب الدولة، وأن نحاسبكم على مواقفكم، ونكافئ خصومكم، ونغلق في وجوهكم الأبواب.”
ولكن الرسالة الأهم لم تكن من الإمارات… بل من العالم الذي صمت!
نعم، صمت المجتمع الدولي. صمتت الأمم المتحدة، وصمت مجلس الأمن، وصمتت الدول التي كانت بالأمس القريب تُلقي علينا محاضرات في احترام السيادة، وحماية البعثات الدبلوماسية، وتقديس القانون الدولي.
فما الذي تغيّر؟
ولماذا السودان بالذات يُترك في العراء، تنهشه الطائرات المسيّرة والقرارات المتغطرسة، وتُقطع أوصاله باسم الدبلوماسية الزائفة؟
الحقيقة المرة: الصمت ليس حياداً… بل انحياز
من يقرأ اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام ١٩٦٣ سيجد أن ما فعلته الإمارات خرقٌ فادح:
المادة ٢٣ تنص على أن طرد عضو من البعثة القنصلية يجب أن يتم بإشعار رسمي ولأسباب محددة.
والمادة ٣١ تُلزم الدولة المضيفة بحماية ممتلكات القنصلية وكرامة موظفيها حتى بعد انتهاء مهامهم.
لكن من قال إن الإمارات تحترم القوانين حين يتعلّق الأمر بالسودان؟
ومن قال إن المجتمع الدولي يحرّكه القانون أصلًا؟
ما يحركهم اليوم هو ميزان القوة، ومصالح السلاح، والتحالفات الخفية.
والإمارات – التي تقدم خدمات “أمنية خاصة” عبر طيف واسع من النزاعات – لم تعد دولة تبحث عن الاستقرار، بل مركزًا دوليًا لإعادة تدوير الفوضى، وتغليفها بورق الذهب.
ولأن السياسة في لحظات التحوّل تصنع ما يشبه المرافعة التاريخية، فإن طرد الدبلوماسيين السودانيين من قبل الإمارات ليس مجرد فعل عدائي، بل دليل إثبات يصلح أن يُضم إلى ملف متكامل يوثق تورط أبوظبي في المساس بسيادة السودان، ويُسجَّل كقرينة قانونية واضحة لانتهاك اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام ١٩٦٣.
كل من يعمل في مجال العلاقات الدولية يدرك أن “الطرد التعسفي غير المبرر” من قبل دولة مضيفة، خاصة دون إخطار رسمي أو تفسير معلن، يُعد سابقة خطيرة، تفتح الباب لمحاسبة دولية.
وإننا نقرأ هذه الخطوة الإماراتية كاشفةً لحقيقة موقفها من السودان: لم تعد راعياً للسلام، بل طرفًا أصيلًا في النزاع، وخصمًا يشتغل على تمزيق نسيج الدولة السودانية من الداخل.
سؤال اللحظة: لماذا السودان؟
لأن السودان قرر أن يقاوم.
لأنه قال: لا.
لأنه لم يقبل أن تتحول أرضه إلى منطقة حرة للارتزاق الدولي.
لأن جيشه لا يزال يقاتل، وشعبه لا يزال يتنفس.
ولأن مشروع “تفكيك الخرطوم” لم يكتمل بعد، وقد بات في نظر البعض عقبة أمام خريطة جديدة للشرق الأوسط تبدأ من قلب القارة.
هل السودان وحده؟
لا.
فالصمت الدولي ليس فقط تعبيرًا عن تجاهل، بل إشارة إلى أن النظام العالمي ذاته يعاني من خلل أخلاقي، وأن الحروب لم تعد تُشن بالسلاح فقط، بل بـ:
الصمت الدبلوماسي،
التواطؤ الإعلامي،
والعقوبات الانتقائية التي تُستخدم كسياط على الضعفاء، لا كمعايير للعدالة.
لكن السودان – بكل ما فيه من جراح – لا يزال يملك شيئًا لا تملكه كل تلك الأبراج الزجاجية:
> صوت الحقيقة حين تنفجر من قلب الألم.
إلى من يهمه الأمر:
إذا كانت الإمارات ترى في طرد دبلوماسيينا انتصارًا تكتيكيًا، فإننا نراه شهادة إثبات على أنها لم تعد وسيطًا ولا شريكًا… بل خصمًا مباشراً.
وإذا كان العالم قد قرر أن يصمت، فإننا قررنا أن نكتب، ونتحدث، ونوثق، ونشهد.
لأن الحروب التي لا تُروى… تُنسى.
ولأن الشعوب التي تصمت على الظلم، تُؤكل واحدة تلو الأخرى.
أصل القضية،،،
السودان ليس دولة منتهية الصلاحية كما يتوهمون، بل وطن يمر بلحظة مخاض عسير. والمخاض – وإن كان موجعًا – هو إعلان عن ميلاد جديد، لا عن موت.
نحن لسنا كمن اختار أن يدفع الجزية لعدوه في صورة اتفاقات أمنية مشبوهة، أو تطبيع مجاني، أو تمويل مرتزقة، كما فعلت بعض دول الخليج، ولا كمن سلّم قراره لإيران وروسيا كما فعلت سوريا.
نحن أصحاب مشروع لا يركع… لنا جسر ومورد.
جسرٌ يربط بين ما نملك من قيم وبين ما نستحق من مكانة.
وموردٌ يتجدد بالوعي الوطني والإرادة الصلبة، لا بالمعونات السياسية المشروطة.
مشروع لا يسير على خطى التبعية، بل يصنع طريقه نحو التكامل والسيادة والتوازن.
فليصمتوا كما يشاؤون…
وليراهنوا على تفكيكنا كما يشتهون…
لكننا لن نُكسر، لأننا لم نُخلق لننحني.
نحن شعبٌ تعلّم أن يقاتل واقفًا، وأن يحاور مرفوع الرأس، وأن يبني فوق الركام مستقبلًا لا يشبه إلا السودان.
