(مشهد أول: ضوء أحمر على الخريطة… من أبوظبي إلى بورتسودان، تمر الصواريخ، لكن ما لم تحسبه الطائرات المسيّرة… أن الرد هذه المرة سيكون بصوت مؤسسي مدوٍ من قلب الخرطوم: “كفى.”)
كان العالم يترقب… يراقب بصمت مريب جريمة ممتدة لأكثر من عامين، صمتٌ يشبه التواطؤ، يغلفه الحرج الدبلوماسي، وتفضحه الوقائع على الأرض: منشآت تُقصف، مدنيون يُذبحون، وطن يُحاصر من خاصرته.
لكن يوم 6 مايو… دوّى الصوت: “مجلس الأمن والدفاع يعلن الإمارات دولة عدوان.”
ليس مجرد بيان.
بل “انعطافة استراتيجية” بحجم وطن يُستعاد.
إنه بيان بلغة مختلفة، لا تستجدي، بل تُمهل وتُمهّد وتُمهّد لمرحلة جديدة من تاريخ السودان، حين يستنهض السودان إرادته، وينطق بلسان “الجسر والمورد”.
لنحلل، ونقرأ، ونُسائل ما بعده.
أولاً: تفكيك البيان – لحظة السيادة التي صنعت فارق الردع
١. من الدبلوماسية الناعمة إلى المواجهة الصلبة
البيان لم يُغلّف كلماته. سماهم بالاسم: الإمارات ووكيلها المحلي. هذه ليست صياغة غضب، بل رسالة سيادة. السيادة التي تعرف عدوها، وتُسميه.
٢. تكريس مبدأ الرد المشروع
استدعاء المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة ليس صدفة قانونية. إنها تموضع جديد ضمن القانون الدولي، لا كضحية، بل كدولة تمارس حقها السيادي المشروع. إنها بداية دبلوماسية الردع السودانية.
٣. الربط بين الأمن القومي والإقليمي والدولي
استهداف بورتسودان، مطارها، وموانئها ليس عدوانًا محليًا فحسب. البيان يربطه مباشرة بأمن البحر الأحمر، وهو ما يعني:
“أي مساس بالسودان هو مساس بالملاحة الدولية، بالأمن العربي، والأمن الأفريقي”.
ثانيًا: وفق استراتيجية الجسر والمورد – ما الذي تغيّر؟
استراتيجية الجسر والمورد ليست خطة دفاع، بل مشروع سيادة. مشروع نهوض يربط بين الموارد والإرادة، بين الداخل والخارج، بين الموقع والدور.
والبيان هذا؟ تجلٍ حي لهذه الاستراتيجية.
> “الجسر”: السودان ليس بوابة فقط، بل صانع معادلات عبور
والبيان يقول: إذا لم تُحترم بوابة السودان، فلتُغلق أمام العابثين.
> “المورد”: السودان ليس بئرًا يُنهب، بل طاقة تُدار بإرادة مستقلة
والبيان يعلن: لا شراكة مع من يزرع الموت في حقول الذهب والنفط.
الرسالة الجوهرية: انتهى زمن الصمت، بدأ زمن الفعل السيادي، بلا مواربة ولا وساطة.
ثالثًا: انعكاسات دولية – خطوات غير تقليدية ستُفرض على المجتمع الدولي
١. انكشاف الدور الإماراتي أمام المجتمع الدولي
لا يمكن للمجتمع الدولي أن يظل على الحياد بعد بيان كهذا. هناك ثلاث خيارات فقط أمام القوى الكبرى:
> المماطلة (وهذا مكلف)
> الضغط على الإمارات لوقف دعم التمرد (وهذا وارد)
> أو دعم السودان في معركته (وهذا ذروة الفعل الأخلاقي والسياسي).
٢. احتمال ظهور تحالفات جنوب-جنوب جديدة
سيتجه السودان، بحكمة، شرقًا وجنوبًا، نحو آسيا وأفريقيا، لبناء تحالفات سيادة قائمة على الندية لا الريع. البيان قد يُشعل محور الاستقلال الإفريقي الجديد.
٣. الدفع نحو تحقيق دولي – وربما إعادة تعريف الإرهاب في القرن الأفريقي
إذا أُدير الملف بذكاء، سيكون السودان منطلقًا جديدًا لتعريف “الإرهاب الممول دوليًا” ضمن الأمم المتحدة.
٤. الضغوط على المؤسسات الإقليمية الصامتة
البيان سيحرج الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية. الصمت لم يعد حيادًا، بل تواطؤًا مكشوفًا.
رابعًا: السودان كفاعل إقليمي ومحلي – مرحلة ما بعد البيان
(مشهد ثانٍ: داخل السودان – رجل في السوق يرفع صوته: “أخيييراً قالوها.. الإمارات دي ما قصّرت فينا.”)
هذا ليس بيان حكومة.
هذا بيان أمة.
فاعل إقليمي؟ نعم، السودان لا ينتظر الإذن ليُدير أمن البحر الأحمر، فهو من يملك الجغرافيا والحق والدم.
فاعل محلي؟ نعم، البيان يؤسس لعقيدة وطنية: “الدفاع ليس فقط مهمة الجيش، بل مشروع شعب.”
البيان يربط بين القوات النظامية والمقاومة الشعبية…
بين الإرادة السياسية والإرادة المجتمعية…
بين الداخل والخارج.
إنه تأسيس لهوية استراتيجية سودانية جديدة، تقول: “أنا الدولة. أنا السودان.”
خامسًا: ما يجب أن يحدث – توصيات استراتيجية وفق الجسر والمورد
١. فتح جبهة دبلوماسية شعبية موازية: “السودان يردّ العدوان” باللغات العالمية
٢. تفعيل حملة قانونية دولية باسم “عدوان تمويل التمرد” ضد الإمارات
٣. عقد مؤتمر دولي في بورتسودان عن أمن البحر الأحمر… السودان يرأسه
٤. إطلاق مبادرة سيادية للتمويل البديل تبدأ بتسريع مشروع “نيلكوين” لتجفيف أي ريع خارجي للتمرد
٥. بناء خطاب وطني جديد في الإعلام والثقافة والتعليم، يستلهم لغة البيان وروحه
(مشهد أخير: الليل في الخرطوم، رجل يفتح إذاعة السيارة، يسمع صوت المذيع: “مجلس الأمن والدفاع يعلن الإمارات دولة عدوان…”)
يضحك الرجل في الظلام، ويقول:
“دي البلد البتسامح، لكن البتنكسر؟؟؟ مستحيل…”
أصل القضية ،،،
البيان لم يكن مجرد رد على عدوان، بل كان خطوة أولى نحو استرداد المعنى… معنى الدولة، معنى السيادة، ومعنى السودان. ولمن لا يعرف بعد: هذا وطن لا يُهزم، بل ينهض… ينهض مثلما تفعل الأمم التي تعرف من هي… وتعرف أين تذهب.
والقادم أعظم… لأن السودان قالها جهارًا: “لن نُؤكل بصمت مرة أخرى”

