في زمنٍ تتداخل فيه خيوط الحرب بالوكالة مع سرديات الوطنية المزيفة، وتُشوّه فيه مفاهيم الحياد لتغدو ستارًا للهروب من المسؤولية، لا بدّ من استدعاء نماذج تصنع الفرق لا لأنها مُعجبة بذاتها، بل لأنها أوجدت مسارًا ثالثًا: لا استسلام، ولا صراخ… بل عقل يراوغ، ورسالة تشتبك، وخطاب يفرض معادلته.
في هذا السياق، نستعير لا نُقلّد، ونستلهم لا نُمجّد:
إنه “تكتيك السنوار” الذي هزّ أعصاب إسرائيل، لا بصواريخ فوق تل أبيب، بل بكلمات تحتل شاشة القرار العالمي.
فما الذي يمنع السودان، الغارق في تعقيدات إقليمية وابتزازات دولية، من إنتاج “تكتيك سنواري سوداني” يُحوّل وعيه الاستراتيجي إلى أداة ردع ناعمة، ويُعيد ضبط هندسة العلاقات الخارجية على أساس السيادة لا التمويل؟
١. عندما يتحوّل الأسر إلى منصة إعلان سيادة: هنا تبدأ الدبلوماسية الفاعلة
في أول ظهور علني له بعد سنوات من الأسر، قال يحيى السنوار لإسرائيل والعالم:
“أنا قائد تنظيم مسلّح. هذه قواعد الاشتباك، ولن أعتذر عنها.”
بتلك الجملة، أسّس السنوار نموذجًا لتكتيك يُمكن اختصاره في ثلاث كلمات: تعريف المواجهة بلسانك قبل أن تُعرّفك فوهات البنادق.
أما السودان، فمشكلته اليوم أن صوته لا يسمع إلا حين يُطلب منه الدفاع عن نفسه.
> تبرير القصف.
> تفسير موقف الجيش.
> توضيح عدم النية في التوسع.
لكن من قال إن الدبلوماسية هي مهنة الدفاع فقط؟
الدبلوماسية الفاعلة تبدأ حين تُجبر العالم على مساءلة خصمك، لا على مساءلتك.
* حين تُحمّل أبوظبي ثمن دعم المليشيات، وتُظهر تركيا لا كوسيط، بل كطرف متورط في هندسة الميدان.
* حين تجعل واشنطن محرجة من صمتها، لا أن تستجدي منها بيانًا متوازنًا.
٢. تفكيك التكتيك: كيف يُترجم السنوار إلى معادلة سودانية؟
لنحول النموذج إلى “روشتة دبلوماسية” تستند إلى عناصر قابلة للتنفيذ:
أ. تعريف الجبهة لا الجغرافيا
* السنوار جعل غزة جبهة لا مدينة. السودان بحاجة إلى ذات التوسيع:
> حرب الخرطوم ليست “حرب داخلية”، بل صدام بين مشروع دولة ومشروع مافيا مدعوم من نظام إقليمي.
> ملف الذهب ليس اقتصاديًا فقط، بل قضية أمن قومي تُغذي بها قوى التمرد نفسها.
ب. ترميز القضية بمفاهيم أممية
اجعل خطابك الحقوقي عابرًا للهُوية: “المرتزقة”، “الإبادة”، “تجنيد الأطفال”، “التهريب العابر للحدود”، “الجريمة الاقتصادية العابرة للقارات”.، ” الجريمة المنظمة”.
اجعل عدوك مُعرّفًا بمفردات أممية، لا بمنطق الشكوى: “دولة ترعى المرتزقة”، “داعم غير مباشر لعدم الاستقرار الدولي”.
ج. اجعل الإعلام سلاحًا دبلوماسيًا
لا ترد على CNN، بل اجعلها ترد عليك.
لا تنتظر من قناة الجزيرة إنصافًا، بل أحرجها بتقارير توثق دعم أبوظبي للخراب.
> قدّم وثائق لا بيانات. فاجئ لا فسّر.
> استخدم رموزك لا تستوردها
* السنوار رمز لأنّه ابن الميدان. السودان يملك رموزه من الضباط، والقادة المجتمعيين، والمستشارين السياديين القادمين من خطوط النار.
* هؤلاء يجب أن يُعاد تقديمهم للعالم لا كمجرد موظفين، بل كأوصياء على مشروع وطني يحارب الانهيار بالوعي لا بالعقيدة فقط.
٣. الجسر والمورد: الماكينة الاستراتيجية لتفعيل “تكتيك سنوار السوداني”
ضمن استراتيجية “الجسر والمورد”، لا تكفي الوثائق، بل لا بد من صناعة ممرّات تُحوّل الفكرة إلى جبهة تأثير دائمة:
> الجسر: يربط بين أدوات القوة الناعمة (الإعلام، المعرفة، القيم، النخبة السودانية في الخارج)، وبين منصات القرار.
> المورد: لا يُقاس بكمية الذهب المصدّر، بل بعدد المرات التي تحوّل فيها هذا الذهب إلى قضية رأي عام خارجي تُحرج الممولين وتُربك المستثمرين المتواطئين.
“تكتيك السنوار السوداني” وفق هذه الاستراتيجية يعني:
* أن تُصبح النخبة السودانية قادرة على تنظيم مؤتمر دولي يُدين صراحة دور الإمارات.
* أن يُنتج الإعلام السوداني فيلمًا وثائقيًا يُعرض في الأمم المتحدة لا في يوتيوب فقط.
* أن يخرج وزير الخارجية لا ليطلب الدعم، بل ليُعلن:
> “من يقف على الحياد في قضية السودان، يقف في صف الفوضى.”
أصل القضية : من الطاعة الاستراتيجية إلى الجرأة السيادية
* في كل مراحل الحرب، ظلت الدولة السودانية تُقاتل، لكنها لم تُبادر في سرد قضيتها عالميًا بالجرأة الكافية.
* تكتيك السنوار السوداني ليس نسخة مستعارة من غزة، بل هو دعوة إلى إعادة تعريف الدبلوماسية السودانية على أساس:
> من لا يُعرّف نفسه، يُعرّفه عدوه.
> ومن لا يصنع قضيته، يُستخدم ضدها.
> ومن لا يجرؤ على فضح المتآمر، سيعتذر للمُخرب.
فلنقلها بوضوح: آن أوان أن تعلن الدبلوماسية السودانية خصومها لا أن تُخفيهم، وتُنتج روايتها لا أن تُصحح روايات الآخرين.

