في زمنٍ تئن فيه أرض السودان تحت وطأة حرب الكرامة، حيث النزيف لم يتوقف و صوت المدافع لم يهدأ يُطل علينا مشهد سياسي جديد. لقاء الكتلة الديمقراطية للحرية و التغيير بالفريق أول البرهان يأتي في ظل حرب لا تزال تشعل الجبهات، و جرح الوطن الذي لم يلتئم بعد. و مع ذلك، نسمع حديثًا عن العفو عن السياسيين الذين ساندوا المليشيا المتمردة و كأننا، فجأة في زمنٍ يُسمح فيه بالتسامح السياسي بينما جراح السودان لا تزال تنزف.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل هذا هو الوقت المناسب للعفو؟ و هل العفو عن هؤلاء السياسيين هو الأولوية الآن في ظل حرب الكرامة التي لم تنتهِ؟
تساؤلات حول الأولويات:
في هذه اللحظة المصيرية من تاريخ السودان، يتساءل الشعب: كيف يمكن أن يكون العفو السياسي على أجندة الأولويات بينما البلد لا يزال يخوض معركة مصيرية؟ حرب الكرامة لم تنتهِ، ودماء الشهداء الذين دافعوا عن وحدة الوطن لم تجف بعد. و مع ذلك، نجد بعض السياسيين يسرعون للعودة إلى المشهد، و كأنهم يتجاهلون جراح الوطن ويتاجرون بسياسة العفو لصالح مكاسبهم الخاصة. فما بال هؤلاء القوم قِبلك مهطعين؟
لكن الحقيقة هي أن الوقت الآن ليس للمناورات السياسية أو السمسرة. الوقت هو لبناء السودان من الداخل، لإعادة اللُّحمة الوطنية و تحقيق العدالة التي تليق بتضحيات الشعب السوداني. سياسة العفو و سمسرة المرحلة لا يمكن أن تكون على حساب جرح الوطن النازف.
إستراتيجية الجسر و المورد: بناء السودان من جديد:
من خلال إستراتيجية الجسر و المورد، نعلم أن الأزمات تُعالج بتوظيف الحكمة و العدالة لتحقيق استقرار طويل الأمد. لا يمكن لبلدٍ يحارب على كل الجبهات أن يُخدَع بسياسات قصيرة المدى لا تأخذ في الاعتبار المصلحة الوطنية. العفو ليس بالضرورة خطأ، لكن يجب أن يكون في وقته المناسب، و يأتي ضمن إستراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى توحيد الصفوف و ليس فتح الباب لمزيد من الانقسامات.
استراتيجية الجسر والمورد تعتمد على تجسير الفجوات بين الأطراف، وإعادة بناء الثقة بين الشعب ومؤسساته. اليوم، الأولوية هي استثمار اللحظة لصالح الوطن، وليس لصالح المكاسب السياسية السريعة. العفو الذي يأتي قبل التئام الجروح قد يفتح الباب أمام إعادة نفس الأخطاء التي أوصلت السودان إلى هذه اللحظة الحرجة.
القيم الوطنية أولاً:
القيم السودانية الأصيلة، التي طالما حفظت السودان في أحلك الظروف، تُملي علينا أن نقف بحزم في وجه أي محاولات للسمسرة السياسية. الكرامة هي السلاح الذي لم ينكسر، و الوحدة الوطنية هي الجسر الذي نبنيه لبناء السودان الجديد. السودان لن يتعافى إذا كانت قراراته تُبنى على أساس التسويات السياسية المؤقتة إنما سينهض عبر عدالة حقيقية تعترف بتضحيات الشعب السوداني و تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
رسالة إلى الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان:
و هنا، نتوجه برسالة صادقة إلى السيد الفريق أول ركن/عبد الفتاح عبد الرحمن البرهان،،
رئيس مجلس السيادة و القائد العام لقوات الشعب المسلحة:
“نحن على العهد و الوعد، يا ابن السودان البار. بثقتنا الكبيرة في قيادتك، ندرك أنك قادر على إدارة الفترة الانتقالية بحكمة و حِنكة تُخرج البلاد من هذه المحنة العصيبة. الشعب الذي اصطف خلف جيشه في هذه اللحظة الحاسمة ينتظر منك أن تسطر اسمك بحروف من نور في سجل التاريخ. كن أمل الشعب الذي رفض النخاسة السياسية و صمد خلف قواته المسلحة، التي كانت و ما زالت الدرع الحامي للسودان. الشعب السوداني، الذي تشتد عليه المعارك، يحتاج إلى قيادة تستثمر في تضحياته، و ترسم له مستقبلاً يقوم على العدل و الكرامة. كن القائد الذي يقود السودان نحو الاستقرار و الازدهار، و دعِ التاريخ يذكرك كمن أعاد توجيه دفة البلاد في أحلك الأوقات ليحقق النصر و السلام.”
أصل القضية : السودان أولاً وأخيراً:
في هذه اللحظة المصيرية، نعود و نُذكر بأن الأولوية هي السودان. لا وقت الآن لصفقات سياسية أو تسويات على حساب الدماء التي سُفكت في سبيل الحرية و الكرامة. إستراتيجية الجسر و المورد تدعونا إلى توحيد الصفوف، و استثمار اللحظة لبناء سودان جديد يقوم على العدالة و الكرامة الوطنية.
فلنكُن جميعًا على قدر المسؤولية، و لنضع السودان فوق كل اعتبار، بعيدًا عن أي تسويات سياسية تُعيدنا إلى الوراء.

