في زمن تتقاذف فيه الشعوب أهوال الحرب وتتنازع القوى على موارد القارة السمراء، تخرج من السودان ــ الذي لم ينكسر رغم النكبة ــ بعثة رسمية وشعبية اقتصادية رفيعة، لتعانق برلين في ملتقى رجال الأعمال الألماني العربي، كما يعانق النيل ضفافه كلما ضاق به المجرى. هذا ليس مجرد خبر، بل هو مشهد استراتيجي بالغ الرمزية، يُمكن قراءته بعين “الجسر والمورد”، لا بعين البروتوكول وحده.
١. الجسر الذي امتد من قلب الخرطوم إلى عقل برلين
> حين يُشارك السودان، بعد انقطاع ثلاث سنوات، في واحد من أهم ملتقيات الاقتصاد العربي الأوروبي، فالأمر ليس استعادة حضور دبلوماسي فحسب، بل هو إعلان غير مباشر بأن “الجسر” لا زال قابلًا للتمدد، وأن “المورد” لا يزال حاضرًا رغم الدخان والدم. حضور وفد يضم رجال الأعمال والمستثمرين بجانب الدبلوماسيين، يعيد تعريف السياسة الخارجية لا كأداة للتفاوض فحسب، بل كرافعة للتنمية والفرص، وفق ما تنادي به استراتيجية “الجسر والمورد”.
> هذه المشاركة ليست قفزة في الظلام، بل عبور محسوب عبر أحد أهم محاور القوة الاقتصادية الناعمة في أوروبا، وهي ألمانيا، البلد الذي يُدير باقتدار شبكة مصالحه في أفريقيا من خلال الاستثمار الذكي لا التدخل الخشن.
٢. المورد الذي وُضع على الطاولة الأوروبية
> ما جرى في الحلقة النقاشية حول الاستثمار في السودان لم يكن مجرد استعراض نظري. بل كان ــ إن أحسنا التعبير السماعي ــ أشبه بعرض “مقطوعات ثرواتية” من ذهب الأرض ومياه النيل وأحلام الزراعة والطاقة والتعدين والاتصالات. وقد جاء العرض في سياق يتجاوز خطاب الطمع التقليدي في الموارد، إلى دعوة للشراكة عبر توفير البيئة القانونية المناسبة، وهذه نقلة ذكية.
> فحين تُقدِّم الدولة السودانية نفسها بوصفها “جاهزة لتجاوز التحديات”، فهي ترسل رسالة مزدوجة: أولها أن الحرب لم تُقصِّر عمر الاستثمار، وثانيها أن الخرطوم لا تزال عاصمة للفرص، لا مجرد ساحة صراع.
3. دبلوماسية التنمية: من البعثة إلى البعث
> سعادة السفيرة إلهام شانتير ، في توصيفها للمشاركة بـ”المثمرة”، لم تكن تصف جولة اجتماعات، بل كانت تُجسّد أحد أبعاد الدبلوماسية التنموية التي تنادي بها “استراتيجية الجسر والمورد”، حيث تكون السفارات منصات اقتصادية لا مجرد مخافر سياسية.
> لقاء الوفد السوداني مع هيئة الأعمال الألمانية الأفريقية والجمعيات الاقتصادية والشركات الكبرى، يمثل ما يمكن تسميته بـ”تدويل الفرص السودانية”، وهو ما يلزم أن تُبنى عليه زيارات لاحقة، على نحو ما تم التوافق عليه فعليًا.
٤. حين تصعد الخرطوم منصة أوروبا
فلنتخيل المشهد:
> “في قاعة ألمانية أنيقة، تعلو فيها لغات الاقتصاد والفرص، تقف امرأة سودانية، ممثلة لدولة مزقتها الحرب، لكنها تحمل خطابًا مختلفًا: خطاب الأمل والعمل. ومن خلفها، يجلس رجال أعمال سودانيون حملوا وجع الخرطوم في حقائبهم، لكنهم نطقوا باسم المستقبل لا الماضي. وتتابعهم أنظار شركات ألمانية كبرى، تقرأ في عيونهم لا التقارير فقط، بل شجاعة البقاء والنهوض.”
هكذا تكون الدبلوماسية الاقتصادية مشهدًا حيًا، لا مجرد بيان صحفي.
٥. ما بعد برلين: خارطة طريق استثمارية تحتاج لأذرع سودانية
إذا أردنا ألا يكون هذا الحدث مجرد فلاش عابر، فيجب أن نعيد توطينه داخليًا:
> إعداد ملفات استثمارية قابلة للتنفيذ فورًا
> استكمال الترتيبات مع اتحاد أصحاب العمل السوداني
> بناء مراكز تنسيق أعمال دولية داخل السودان لتسهيل التواصل مع الجهات التي أبدت اهتمامًا
> تنظيم ملتقى استثماري سوداني ألماني في الخرطوم، ليصبح الجسر ثنائي الاتجاه، لا اتجاهًا واحدًا نحو الخارج
أصل القضية: السودان حين يحضر بعقل “المورد” وقلب “الجسر”:
في خضم الحرب، من يملك القدرة على الذهاب إلى برلين وهو يحمل مشروع وطن لا مجرد حقيبة ملفات، هو من يثبت أن السودان لا يزال حيًّا. الوفد الذي وقف هناك لم يكن مجرد ممثلين، بل كانوا حملة فكرة: أن السودان لا يُختزل في أزماته، بل يُستنهض عبر موارده وناسه وعقوله الحية.
وهذا ما تنادي به “استراتيجية الجسر والمورد”:
أن يكون الحضور الخارجي وسيلة لبناء الداخل، لا مجرد تسجيل موقف، وأن يكون الاقتصاد هو لغة المستقبل، حين تُقصِر السياسة عن التعبير.
إذا شئنا صناعة السلام المستدام، فلنصنعه مع الألمان عبر الطاقة، ومع العرب عبر الزراعة، ومع الأفارقة عبر الشراكة. وليكن السودان هو الجسر… والمورد.
