في عالمٍ لم تعد فيه القوة الصلبة معيار النفوذ الأوحد، ترتقي بعض الدول إلى ممارسة أدوارٍ تتجاوز حدودها الجغرافية لتصبح ثقلًا سياسيًا وإستراتيجيًا يوجّه مسارات الإقليم. غير أن هذا الصعود حين يختلط بالنزعة للهيمنة خارج الشرعية الدولية، تتجلى ملامح ما أسماه ويليام بلوم في كتابه: “الدولة المارقة”—دولةٌ تُعيد تشكيل الخرائط باليد الخفية، وتُشعل الأزمات كأدواتٍ للصعود وتعيد صياغة موازين القوى من وراء ستار المصالح.
واليوم… لا يمكن لأي متابع موضوعيٍّ أن يغض الطرف عن أن دولة الإمارات العربية المتحدة تتصدر مشهد هذه الديناميكية في الشرق الأوسط وأفريقيا، عبر شبكات النفوذ، والاستثمار السياسي في مناطق النزاعات، وتمويل الفاعلين غير الدوليين وإعادة هندسة التوازنات في ساحات تعيش هشاشة هيكلية.
لكن السؤال الجوهري الذي يطرحه عمود #أصل_القضية هو:
لماذا تتصرف الإمارات بهذا الشكل؟ وما انعكاساته على السودان والمنطقة؟ وكيف يمكن لبلدٍ مثل السودان أن يحوّل هذا التحدي إلى فرصة عبر رؤية الجسر والمورد؟
هنا تبدأ الحكاية.
أولًا: الإمارات — كيف تتجسّد فيها الدولة المارقة؟
الدولة المارقة ليست مجرد دولة تنتهك القانون، بل منظومة نفوذ تستخدم أدوات ناعمة وخشنة لفرض إرادتها على الآخرين بلا مساءلة.
وعندما نسقط ذلك على الإمارات، تتضح خمس سمات مركزية:
١. التدخل خارج الحدود بغطاء المصالح
تدخلت الإمارات في اليمن، ليبيا، الصومال، القرن الإفريقي، إثيوبيا، تونس، وفي كل مرة كانت تُعيد تشكيل الاصطفافات بما يخدم رؤيتها للأمن الإقليمي.
٢. بناء شبكات مليشياوية وتجارية عابرة للدول (خصخصة الحروب)
من قوات الانتقالي الجنوبي في اليمن، إلى قوات حميدتي – الدعم السريع في السودان، مرورًا بتكوينات أمنية في شرق ليبيا تنخرط أبوظبي في دعم اللاعبين غير الدوليين بقدر ما يخدم قدرتها على التحكم.
٣. توظيف الاقتصاد كرافعة سياسية
الموانئ، شركات التعدين، الاستثمار في الأراضي الزراعية، صفقات المعادن… كلها ليست استثمارات تجارية بقدر ما هي هندسة جيوسياسية تعيد رسم خرائط النفوذ في أفريقيا.
٤. صناعة الأزمات بدلًا من حلّها
إن “الدولة المارقة تصنع بيئة الأزمة لأن الأزمات تمنحها فرص القوة”.
وهذا ما يفسر لماذا تتحرك الإمارات في بؤر الهشاشة بدل الدول المستقرة.
٥. التعاظم عبر الوكلاء
الوكيل يوفر:
– الإنكار،
– تقليل التكلفة،
– ومساحة المناورة.
وفي السودان، كانوا وكلاء وليس وكيلا واحدا:
• حميدتي وقواته
• تحالف صمود .
•تحالف تأسيس .
•(بقايا) قحت.
ثانيًا: الإمارات في السودان… حين تتحول الأزمة إلى فرصة جيوسياسية
السودان يقع في تقاطعٍ جيوستراتيجي بالغ الأهمية:
– بوابة البحر الأحمر،
– عمق واصل بين القرن الأفريقي وشماله،
– مخزون هائل من الذهب والمعادن،
– هشاشة سياسية ممتدة،
– ونظام أمني متعدد الولاءات.
هذه البيئة مثالية لأي فاعل خارجي يسعى للنفوذ دون تكلفة عالية.
١. لماذا السودان؟
لأن الإمارات كانت تبحث عن ثلاث نقاط ارتكاز:
● ممرات بحرية آمنة على طول البحر الأحمر.
● شبكة نفوذ تمتد نحو إفريقيا الوسطى ودول الساحل.
● مصدر ذهب ضخم يغذي شبكات الاقتصاد غير المعلن.
٢. الاستثمار في توازنات هشّة
دعم الإمارات لقوات الدعم السريع لم يكن مجرد علاقة مصالح قصيرة، بل كان جزءًا من بناء “جسر نفوذ” يمتد من الخرطوم إلى تشاد والنيجر وأفريقيا الوسطى، ما يجعل السودان نقطة ارتكاز إستراتيجية.
٣. العبث بالأمن الإقليمي
امتد تأثير هذا الدور إلى:
● تأجيج الصراع الداخلي.
● تعطيل فرص الانتقال السياسي.
● تدويل الأزمة السودانية.
● إضعاف المؤسسات الوطنية.
● فتح باب سباق دولي خطير بين قوى إقليمية ودولية.
بهذا أصبحت الإمارات أقرب مثال عربي حيّ لمفاهيم “الدولة المارقة” ، لا من موقع الخصومة، بل من موقع تحليل السلوك والأدوات. والمقصود هنا ليس إدانة الدولة بقدر ما هو توصيف لسلوكها في الإقليم وفق مناهج تحليل العلاقات الدولية، حيث تُدرس الأفعال لا النوايا.
نلخص عاليه بأن نجيب على سؤال لماذا تفعل الإمارات ذلك؟؟؟ !!
● نقص البعد الاستراتيجي مع التركيز على أهداف محققة لكنها قصيرة المدى.
● الاحتياج للنفوذ الخارجي الأمر الذي أثر على السيادة والتحول إلى الوظيفية.
● اقتصاد يعتمد على سلاسل التدفقات وليس الإنتاج.
● هوس السيطرة على الموانئ وخطوط التجارة.
ثالثًا: قراءة عبر رؤية الجسر والمورد — من الأزمة إلى الرافعة
■ هنا تأتي أبعاد رؤية الجسر والمورد لرسم مستقبل السودان.
فبدل النظر إلى التدخلات الخارجية بوصفها خطرًا محضًا، في رؤية الجسر والمورد نقترح تحويل المخاطر والأزمات إلى موارد، والتدخلات إلى جسور تفاوضية، والتهديدات إلى أوراق قوة.
١. الجسر: تحويل الفاعلين الخارجيين إلى مسارات نفوذ لا أدوات قهر
على السودان أن يعيد صياغة دوره لا كضحية نفوذ، بل كعقدة اتصال إقليمية.
فالموقع الجيوسياسي الذي تستخدمه الإمارات يمكن أن يعاد هندسته لصالح السودان عبر:
● مفاوضات استراتيجية تربط الموانئ والزراعة بالطاقة والموارد
● إعادة ضبط العلاقات مع الخليج عبر رؤية قومية واضحة
● استخدام الشرعية الدولية لبناء موقف تفاوضي صلب
٢. المورد: جعل الأزمة مصدر قوة للدولة
التنافس الإماراتي- السعودي -التركي -الأمريكي-الروسي على السودان ليس مشكلته… بل مورده.
وفق هذه الرؤية يتحول السودان إلى:
● مركز عبور (Transit Hub).
● قوة تفاوضية محورية.
● لاعب يصنع بيئة الاستثمار بدل أن يستهلكها.
● دولة تفرض سعرًا سياسيًا على موقعها لا أن تقدمه مجانًا.
٣. إدارة الأزمة لا الهروب منها
بدل الصدام مع الإمارات أو غيرها من القوى الدولية، تدعو رؤية الجسر والمورد إلى:
● تحويل التدخل إلى منصة تسوية.
● تحويل نفوذ الوكلاء إلى نفوذ الدولة.
● إعادة هندسة سلاسل الذهب والتجارة في إطار سيادي وشفاف عبر الحوكمة.
● تحويل البحر الأحمر من ساحة نفوذ إماراتي إلى مجال نفوذ سوداني-إقليمي.
رابعًا: نحو ميثاق جديد — كيف يعيد السودان تعريف علاقاته الإقليمية؟
١. التعامل مع الإمارات كقوة تبحث عن النفوذ لا كشريك دائم فالتحالفات الزمنية لا يجب أن تُعمّم بوصفها مصالح استراتيجية.
٢. إعادة بناء مسار دبلوماسي جديد يقوم على التوازن لا التبعية باعتبار أن تعدد اللاعبين في السودان فرصة ذهبية لبناء مواءمات لا انحيازات.
٣. تطوير نموذج وطني لإدارة الموارد الإستراتيجية خصوصًا الذهب، الأراضي الزراعية، والموانئ لأنها كانت الباب الواسع للتدخل.
٤. تحويل البحر الأحمر إلى منصة تكامل إقليمي لا مجال صراع خارجي بالتنسيق مع تركيا، السعودية، مصر، ودول القرن الأفريقي.
#أصل_القضية،،،
ليس الإمارات…
وليس الدعم السريع….
وليس الذهب…
ولا التوازنات الإقليمية….
#أصل_القضية أن السودان دولة لم تُمارس بعد قوتها الحقيقية الكامنة فيه.
الدولة التي تعرف قيمتها لا يُعبث بأمنها.
والدولة التي تفهم موقعها لا تُدار من الخارج.
والدولة التي تحسن استخدام مواردها وخصوصا المورد البشري، لا تبحث عن الرضا الإقليمي لتأدية دورها.
وحدها إستراتيجية الجسر والمورد القادرة على تحويل الخراب إلى بناء، والتنافس الدولي إلى فرصة، والأزمة إلى طريق جديد يعيد للسودان مكانته لا كمساحة نفوذ، بل كجسرٍ وموردٍ يستحيل تجاوزه في معادلات المنطقة.


