Popular Now

التنسيق الحكومي المتكامل ضرورة حتمية لبناء دولة مؤسسية فاعلة .. بقلم مستشار/ احمد حسن الفادني ـ باحث بمركز الخبراء العرب

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. عودة الدولة…أم عودة الأشخاص ؟! .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

سلسلة صفقات ترامب (الحلقة السادسة) .. أفريقيا في قلب القسمة الكبرى: من انحسار أوروبا إلى صعود الصين وروسيا .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد – السودان بعد الحرب: عرب الشتات وتهديد الأمن الإفريقي … بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات

مع اقتراب حسم الحرب في السودان عسكريًا، يظل السؤال المركزي: ماذا بعد الحرب؟ لم تكن المعارك مجرد صراع على السلطة، بل أفرزت ظاهرة أكثر خطورة؛ قوات الدعم السريع ،بما حملته من تركيبة قبلية و روابط عابرة للحدود، والتي تمثل اليوم نواة ما يُعرف بـ(عرب الشتات). هؤلاء ليسوا مجرد فصيل عسكري؛ إنهم تهديد إستراتيجي طويل الأمد قادر على تحويل السودان إلى بؤرة ارتزاق تهدد السلم والأمن الإفريقي بأكمله.

السودان، شعباً ودولة، لن يقبل بأي تسوية تعيد دمج قوات تمردت على سيادته، قتلت أبناءه، ونهبت ممتلكاته، ودمرت بنيته التحتية. الحديث عن إعادة الدمج ليس سوى وهم سياسي؛ هذه القوات لم تكن يوماً جيشاً نظامياً، بل ميلشيا مرتزقة ارتبطت بمصالح خارجية. لذلك، الخيار الوحيد أمام السودان هو التفكيك الكامل لهذه الكتلة وتجفيف منابعها المالية والبشرية، قبل أن تتحول إلى “شركة ارتزاق إفريقية” تبيع خدماتها في صراعات إقليمية متصلة.

عرب الشتات: إرث تاريخي وتهديد معاصر

تاريخيًا، لعبت الجماعات المقاتلة المتنقلة دور (خميرة عكننة) في أفريقيا الوسطى، تثير النزاعات وتفتح المجال للتدخلات الخارجية. عرب الشتات اليوم يحملون هذا الإرث لكن في نسخة أكثر خطورة، بعد أن امتلكوا خبرة قتالية واسعة وسلاحًا متقدمًا و روابط اجتماعية وقبلية تمتد من دارفور إلى تشاد وإفريقيا الوسطى وليبيا.

■ أمثلة ميدانية حديثة:

● تشاد وإفريقيا الوسطى (2022–2024): تقارير الأمم المتحدة أشارت إلى تدخل مرتزقة من عرب الشتات في نزاعات حدودية صغيرة، ما أدى إلى تهجير آلاف المدنيين.

● ليبيا: استمرار نشاط المرتزقة في مناطق سبها وطرابلس، حيث استغلوا الفوضى لتقديم خدمات قتالية لأطراف محلية ودولية.

● دارفور: تكرار هجمات نقاط أمنية على طول الحدود مع تشاد، يظهر قدرة هذه المليشيات على تحويل مناطق واسعة إلى مناطق نفوذ غير خاضعة للسلطة الرسمية.

هذه الظاهرة ليست استثناءً، بل امتداد لتاريخ طويل من المرتزقة عبر العالم:

● الفايكنغ في أوروبا، الذين تحوّلوا من تجار وبحارة إلى مرتزقة ينهبون الممالك الضعيفة.

● الكندوتييري في إيطاليا، الذين استأجرهم أمراء المدن لحروب قصيرة، لكنهم انتهوا بتقويض استقلال المدن الإيطالية نفسها.

● الكونغو بعد الاستقلال، التي تحولت إلى ساحة تجارب للمرتزقة الأوروبيين، مما أطال أمد الحرب الأهلية.

● ليبيا بعد 2011، حيث انتشرت جماعات المرتزقة من تشاد والسودان ومالي، لتتحول البلاد إلى مستودع للفوضى.

■الدرس المستفاد: المرتزقة دائمًا ما يلتصقون بالدول الضعيفة أو الخارجة من صراع، و يحولونها إلى منصات لتصفية الحسابات الدولية. وهذا ما يجب أن يتجنبه السودان بأي ثمن.

السودان ورؤية الجسر والمورد

من منظور الجسر والمورد، يمكن للسودان أن يختار بين أن يكون ساحة لصراعات المرتزقة أو منصة للأمن الإفريقي:

١. الجسر: موقع السودان يجعله صلة الوصل بين شمال إفريقيا وشرقها ووسطها. إذا نجح في تفكيك عرب الشتات، سيصبح ممرًا للسلام لا ممراً للسلاح.

٢. المورد: بدلاً من تصدير المرتزقة، يمكن للسودان أن يصدر الأمن نفسه، عبر الانخراط في عمليات حفظ السلام الإفريقية، وبناء شراكات إقليمية لمكافحة الإرهاب، وتقديم خبرته كدولة مفصلية في إدارة الحدود الطويلة والمعقدة.

■ الفرص الإستراتيجية:

● تعزيز دور السودان في مشروعات اقتصادية إقليمية مرتبطة بالتجارة والطاقة.

● خلق مناخ استثماري آمن لدول الجوار المنغلقة التي تعتمد على السودان كبوابة أساسية.

● اكتساب شرعية دبلوماسية قوية على الصعيد الإفريقي والدولي، تؤهل السودان ليكون نموذجًا للأمن والإدارة الإستراتيجية بعد الحرب.

دور الاتحاد الإفريقي – مجلس السلم والأمن

لا يمكن مواجهة هذه الظاهرة دون دور فاعل من الاتحاد الإفريقي، خاصة عبر مجلس السلم والأمن الإفريقي:

● وضع آليات إفريقية لمراقبة المرتزقة وتدفق السلاح.

● دعم جهود السودان في تفكيك المليشيات وإعادة فرض السيادة على كامل أراضيه.

● إنشاء خطط جماعية لتأمين حدود الدول المنغلقة التي تعتمد على السودان كبوابة للتجارة والنفط.

بهذا المعنى، يصبح السودان مركز ثقل في منظومة الأمن الإفريقي، وأي ضعف فيه ينعكس مباشرة على خمس دول مجاورة منغلقة وعلى البحر الأحمر الحيوي.

الولايات المتحدة وإدارة ترمب: السودان كرجل سلام

● في ظل إدارة ترمب (2017–2021)، رُفع شعار إسكات الحروب كأولوية أمريكية. ترمب لم يتعامل مع السودان كملف محلي فحسب، بل كعقدة جيو–أمنية لا يمكن تجاوزها في إستراتيجية محاربة الإرهاب:

● السودان بعد الحرب يمكن أن يكون رجل السلام في إفريقيا إذا حسم ملف المرتزقة وأثبت نفسه كحائط صد أمام الإرهاب العابر للحدود.

● إذا تُركت عرب الشتات بلا معالجة جذرية، فإن السودان سيصبح مصدر تهديد للمصالح الأمريكية في البحر الأحمر وللاستقرار الإقليمي.

يُنتظر من واشنطن دعم مشروع سوداني–أفريقي لتفكيك عرب الشتات، وربط المساعدات الاقتصادية والسياسية بضمانات أمنية حقيقية.

السيناريوهات المستقبلية والتداعيات الاقتصادية والسياسية

١. السيناريو الأول – التفكيك الكامل:

● السودان ينجح في تحييد عرب الشتات وفرض سيادته على أكثر من 80% من مناطق النفوذ السابقة.

● تدفق الاستثمار الإقليمي يزداد، والنمو الاقتصادي يعود تدريجياً.

■ تعزيز الأمن الإقليمي يمنح السودان دورًا قياديًا في مشروعات النقل والطاقة العابرة للحدود.

٢. السيناريو الثاني – استقرار جزئي مع تحكم محدود:

● بعض المليشيات تظل نشطة بنسبة 20–30%، ويستمر السودان في دفع ثمن أمني وسياسي واقتصادي.

● الدول المجاورة تبقى مهددة، ويصبح التدخل الإفريقي والأمريكي دوريًا للحفاظ على التوازن.

■ الاستثمار يظل محدودًا، مع مخاطر على تجارة الموارد الأساسية مثل النفط والمعادن الزراعية.

٣. السيناريو الثالث – الفشل في الحسم:

● عرب الشتات يتحولون إلى مرتزقة عابري حدود، مما يخلق بؤر صراع جديدة ويزيد من التوترات الإقليمية.

● السودان يصبح منصة للفوضى، مع انخفاض الاستقرار السياسي وتأثير مباشر على الاقتصاد الوطني وأسواق الطاقة والنقل.

هذا السيناريو يعيد إنتاج تجارب الكونغو وليبيا، ويهدد الأمن الإقليمي على مدى عقد كامل.
■ التداعيات الاقتصادية والسياسية واضحة: الاستقرار الأمني يفتح الطريق للاستثمار والتنمية، بينما الفوضى تجر البلاد نحو ركود سياسي واقتصادي ويضعف تأثير السودان الإقليمي والدولي.

أصل القضية،،،
يقف السودان اليوم عند مفترق طرق تاريخي: إما أن يُعيد إنتاج مآسي الكونغو وليبيا عبر ترك عرب الشتات كمرتزقة عابري حدود، أو أن يختار طريقاً آخر ليكون جسر السلام ومورد الأمن الأفريقي.

المعادلة واضحة:

● لا مكان لمرتزقة الأمس في مستقبل السودان.

● الاتحاد الأفريقي مطالب بتبني السودان كقضية أمن قاري.

● الولايات المتحدة، التي قدّمت ترمب كرجل سلام، تملك فرصة نادرة لتثبيت السودان كمنصة استقرار لا كقنبلة موقوتة.

هكذا فقط، يستطيع السودان أن يتحول من رئة دول منغلقة تبحث عن الهواء إلى قلب ينبض بالسلام في إفريقيا، ويصبح مصدر أمل للأمن والاستقرار على مستوى القارة.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 5655 بتاريخ 13 أغسطس 2025 .. هل أصبح قتل الدعم السريع للمدنيين في الفاشر (مزعومًا) allegedly ؟!!!

المقالة التالية

وجه الحقيقة | القاش.. ومشروعات السدود الجديدة … بقلم/ إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *