«الغضب لا يُدار عشوائيًا، بل يُوجَّه … ثم يُستثمر».
بعد أن سألنا:
من عرّف الوعي؟
ولماذا يُكافَأ الانفعال؟
ومتى صار الاختلاف خيانة؟
يظهر السؤال الذي تحاول السردية تجاوزه سريعًا، لأنه لا يناقش المشاعر، بل يبحث عن المستفيد:
من المستفيد من بقاء الوعي غاضبًا ومُستقطَبًا؟
الغضب ليس فوضى… بل حالة قابلة للإدارة
في الظاهر،
الغضب يبدو عفويًا،
شعبيًا،
نابعًا من الألم.
لكن في التجربة السودانية منذ ٢٠١٨م،
نلاحظ نمطًا متكررًا:
غضب لا يهدأ
عدو دائم التبدّل
استقطاب لا يسمح بالوقوف في المنتصف
هذا النوع من الغضب
لا يُفرغ، بل يُعاد تدويره.
الغضب الذي لا يتحوّل إلى فهم، يتحوّل إلى أداة.
من لا يفهم… يسهل قيادته
حين يبقى الوعي في حالة انفعال دائم:
لا يُراجع
لا يُحاسب
لا يُفكك
يصبح السؤال عبئًا،
والتحليل ترفًا،
والذاكرة قصيرة.
وهنا تظهر الفائدة:
قرارات بلا مساءلة
سرديات بلا تدقيق
وأخطاء بلا تصحيح
ليس لأن الناس لا تريد الفهم، بل لأن الغضب يستهلك طاقة العقل.
الاستقطاب: حين يُختصر الوطن في معسكرين
الاستقطاب لا يخدم الحقيقة، بل يخدم:
تبسيط المشهد
شيطنة الطرف الآخر
وإلغاء المساحات الرمادية
في هذا المناخ:
لا مكان للتعقيد
ولا مجال للتراجع
ولا فرصة للاعتراف بالخطأ
الاستقطاب لا يصنع وعيًا، بل يصنع اصطفافًا.
ومن يصطف، نادراً ما يسأل.
الحرب… حين صار الغضب موردًا
مع الحرب، تحوّل الغضب من حالة نفسية
إلى مورد تعبوي.
يُستدعى الغضب:
لتبرير الفشل
لتأجيل الأسئلة
لتخوين أي صوت مقلق
ليس المطلوب أن تفهم الحرب، بل أن تعيش داخلها شعوريًا.
وهنا يختفي السؤال الأخطر: من يحاسب؟ ومن يُصحّح؟
من المستفيد إذن؟
ليس السؤال اتهامًا مباشرًا،
بل ملاحظة هادئة:
كل من يتهرب من المساءلة
كل من يخاف من الأسئلة
كل من لا يملك إجابات واضحة
يستفيد من: وعيٍ غاضب، ومستقطَب ومنهك.
الوعي المتعب لا يطالب، بل يكتفي بالهتاف.
رؤية الجسر والمورد: تهدئة الوعي لا تخديره
في الجسر والمورد، لا ندعو إلى برود، ولا إلى حياد زائف، بل إلى استعادة الوعي من الاستنزاف.
الغضب حق،لكن:
حق بلا بوصلة يُستغل
وحق بلا فهم يُوجَّه ضد صاحبه
الجسر لا يُبنى بوعيٍ غاضب دائمًا،
بل بوعيٍ يعرف متى يغضب،
ومتى يتوقف ليسأل.
أصل القضية،،،
هذا السؤال لا يقول لك: اهدأ،
بل يسألك: هل يخدمك هذا الغضب المستمر؟ أم يخدم غيرك؟
إن كان الغضب وطنيًا، فلن يخاف الفهم.
وإن كان الفهم مؤجَّلًا دائمًا، فربما لأن هناك من يربح من تأجيله.
نواصل،
سؤال أصل القضية ليوم الغد بإذن الله ، حول : حين تفقد السردية قدرتها على التظاهر بالبداهة.

