نساق … لنصفق
في المقال السابق ذكرنا إن أخطر ما أصاب السودان
لم تكن الحرب …
ولا النهب…
ولا الدول الطامعة…
بل قميصًا صنعناه نحن، وصدقنا دمه الكاذب.
اليوم نكمل من حيث توقف السؤال،
لا من حيث انتهى الغضب.
من سردية « اقتلوا يوسف يخلوا لكم وجه ابيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين »
إلى هندسة الوعي الحديثة
إخوة يوسف لم يقتلوا أخاهم أولًا…
بل قتلوا الحقيقة.
صنعوا سردية جاهزة، قصيرة، سهلة الهضم،
تُغني عن التفكير،
وتُغلق باب الشك.
“إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب .. الآية ”
جملة واحدة…
كانت كافية ليُعفى الضمير،
ويُطمس السؤال،
ويُختصر العقل.
وهذا – تمامًا – ما تفعله اليوم
التكنولوجيا حين تدخل على الوعي السوداني
لا كأداة…
بل كمُشكِّل وعي.
من (فوب) إلى الحشد: كيف يُسلب الفرد دون أن يشعر
يشرح المتخصصون في علم النفس السلوكي عبر نموذج “فوب” …
لا يُطلب منك أن تقتنع…
بل فقط أن تتفاعل عبر …
إشعار.
غضب.
تصفيق.
عدو جاهز مصمم لك خصيصًا..
ثم تمرير ومشاركة ونشر في (القروبات) ومواقع التواصل
وهكذا،
لا يعود السوداني يسأل:
هل هذا صحيح؟ بل يسأل: هل هكذا أنا معكم؟
“أنت حين تتفاعل كثيرًا دون أن تدري لماذا ؟… تتوقف عن التفكير تمامًا”
وهنا تحديدًا،
ينتقل الاستلاب من كونه سردية سياسية إلى كونه عادة ذهنية.
نحن لا نفكر…نُحشَد.
لا نُحلل…نُستثار.
لا نرى السودان…نرى “فريقًا” ضد “فريق”.
الحشد والتحشيد المقابل: حين يُلغى السودان من وعي الفرد
أخطر ما في التحشيد في السودان أنه لا يعبئ الناس من أجل فكرة وطنية، بل يفرغ الفرد من السودان نفسه.
في الحشد: الوطن يتحول إلى لافتة
– التاريخ إلى مقطع مبتور
– الدم إلى أداة تعبئة
– والخيانة إلى “اختلاف سياسي”
والفرد؟
يذوب.
يختفي.
يفقد حقه في السؤال.
وهكذا،
لا يُسرق السودان دفعة واحدة…
بل يُسحب من داخل وعي كل فرد.
قميص يوسف… بدم كذب جديد
كما جاؤوا يعقوب بقميص يوسف ليغطوا عجزهم…يُجاء اليوم بقميص السودان
بدم كذب حديث الصنع:
– دم يُبرر السقوط
– دم يُعيد تعريف الوطنية
– دم يجعل التبعية “واقعية”
– دم يجعل الوعي النقدي “تشددًا”
والأخطر؟
أن هذا الدم لا يُفرض بالقوة…
بل نستهلكه نحن عبر التمرير، والمشاركة والتصفيق.
سؤال أصل القضية (ولا أزيد حرفًا)
هل تابعتم أمس الأول مباراة الإمارات والجزائر والتي فازت فيها الإمارات ضمن فعاليات كأس العرب؟
لا أزيد على ذلك بحرف.
ولا أشرح.
ولا أفسر.
وأترك للوعي – لا للحشد – أن يقول كلمته.
الجسر والمورد: حين نعيد الفرد إلى مركز المعركة
رؤية الجسر والمورد لا ترى الخطر في الإمارات وحدها، ولا في غيرها من الدول…
بل ترى الخطر الأكبر حين يصبح الوعي السوداني
سهل التوجيه،
سريع الاستثارة،
ضعيف الذاكرة.
الجسر والمورد ليست مشروع سلطة،بل مشروع استعادة الفرد من فم الحشد.
أن يعود السوداني ليسأل قبل أن يصفق.
أن يرى القميص… لا الدم فقط.
أن يفهم أن المعركة
ليست بين “مع” و”ضد”،
بل بين وعي مسروق
ووعي مستعاد.
#أصل_القضية (الخلاصة التي نخافها)
السودان لا يُهزم حين تخطط له الدول…
السودان يُهزم حين يُعاد تشكيل وعي أبنائه ليصدقوا كل دم إلا دم الحقيقة.
الأمم لا تسقط حين تُخدع مرة…بل حين تُدرَّب على عدم السؤال.
هذه هي أصل القضية.وهذا امتدادها الطبيعي.وهذا هو القميص…لمن أراد أن يرى.
