Popular Now

وجه الحقيقة | عود لينا يا ليل الفرح… .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي(4) .. مؤشرات النهاية: العلامات العسكرية والسياسية التي تسبق حسم الحروب الداخلية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

أصل القضية | حين تُقصى الكفاءة .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. عودة الدولة…أم عودة الأشخاص ؟! .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

حين تعود الخرطوم… لا يعود شخص، بل تعود معادلة.
عودة رئيس مجلس الوزراء إلى العاصمة الخرطوم ليست خبرًا بروتوكوليًا، ولا مشهدًا رمزيًا يصلح للصور والتصريحات العابرة؛ هي ـ في جوهرها ـ اختبار وجودي لمعنى الدولة نفسها:
هل تعود الدولة بوصفها نظامًا؟
أم نكتفي بعودة أشخاص إلى مبانٍ متضررة في مدينة مجروحة؟
نحن هنا نرفض الاستلاب، ونرفض الترديد الكسول لعبارة “حكومة بورتسودان” كما لو كانت توصيفًا محايدًا.
فهذه العبارة ـ دون وعي ـ أنتجت تصنيفًا سياسيًا واجتماعيًا خطيرًا:
(ناس الخرطوم) في مقابل (ناس بورتسودان)
وهي إضافة جديدة لسلسلة تصنيفات مَرَضية بدأنا نراكمها منذ ٢٠١٨م: مدني/عسكري، ثوري/فلول، مركز/هامش… وها نحن نضيف: عاصمة/بديل.
❖ الدولة لا تُدار بالتصنيفات… بل بتفكيكها.
أولًا: الخرطوم في معادلة الدولة (قراءة رياضية)
في علم الرياضيات، لا قيمة لأي معادلة إن غاب أحد حدودها الأساسية.
والدولة السودانية ـ تاريخيًا ـ كانت تُبنى على معادلة ثلاثية:
الدولة = (الأرض + المؤسسة + الشرعية)
الأرض: الخرطوم بوصفها مركز الثقل السياسي والإداري والرمزي
المؤسسة: الجهاز التنفيذي المتكامل
الشرعية: القبول العام، لا عبر الخطاب بل عبر الأداء
حين انتقل الجهاز التنفيذي إلى بورتسودان، لم تُلغَ المعادلة، بل دخلت في حالة اختزال اضطراري.
الآن، مع العودة إلى الخرطوم، السؤال ليس: من عاد؟
بل:
هل عادت المعادلة كاملة أم عاد حدٌّ واحد منها فقط؟
إذا عادت السلطة دون الخدمات = معادلة ناقصة
إذا عادت المكاتب دون القرار = صفر سياسي
إذا عادت الدولة دون المواطن = كسر عشري بلا معنى
ثانيًا: الكيمياء السياسية – من التفاعل إلى الترسيب
في الكيمياء، ليست كل عودة تفاعلًا إيجابيًا.
بعض العناصر حين تُعاد إلى بيئة غير مهيأة، لا تنتج طاقة… بل ترسيبًا سامًا.
عودة الجهاز التنفيذي إلى الخرطوم يمكن أن تكون أحد مسارين:
١) تفاعل مُنتِج (Catalytic Reaction)
إذا صاحبتها:
إعادة تشغيل الخدمات،
حضور فعلي للأمن والخطط،
خطاب يوحّد ولا يُصنّف،
قرارات تُرى في الشارع لا في البيانات
هنا تصبح الخرطوم محفزًا (Catalyst) يعيد تنشيط بقية الولايات، لا مركزًا نرجسيًا يبتلعها.
٢) ترسيب سياسي (Political Precipitation)
إذا اقتصرت العودة على:
لافتات
اجتماعات مغلقة
نخب معزولة
تبرير الفشل بلغة “الظروف”
حينها سنشهد ترسيبًا جديدًا للغضب الشعبي، وتبلور قناعة خطيرة:
الدولة عادت… لكننا لم نعد معها.
ثالثًا: تفكيك سردية “حكومة بورتسودان”
هذه السردية لم تكن بريئة؛ هي نتاج فراغ سردي لم يُملأ بخطاب دولة واضح.
الدولة الذكية لا تسمح بتسميات بديلة لعاصمتها السياسية،
لأن الاسم حين ينفصل عن الجغرافيا، يبدأ الانقسام في الوعي.
عودة رئيس مجلس الوزراء إلى الخرطوم يجب أن تكون:
نهاية لسردية البدائل
لا بداية لمقارنة مريضة بين مكانين
الخرطوم ليست ضد بورتسودان، وبورتسودان ليست نقيض الخرطوم
الدولة أكبر من المدينتين… لكنها لا تُدار من فراغ.
رابعًا: ماذا تعني هذه العودة للمواطن؟
المواطن لا يحسب الأمور بلغة السياسة…
بل بلغة بسيطة تشبه الرياضيات الابتدائية:
هل عاد الماء؟
هل عاد الأمن؟
هل عاد الراتب؟
هل عاد الأمل؟
أي حديث عن “عودة الدولة” دون أثر مباشر على هذه المعادلات الأربع
هو كلام غير متوازن في ميزان الوعي الشعبي.
الدولة لا تُقاس بعودة المسؤول، بل بعودة القدرة على التنبؤ بالمستقبل.
خامسًا: الرؤية الاستراتيجية – من منظور الجسر والمورد
وفق رؤية الجسر والمورد، فإن عودة الجهاز التنفيذي إلى الخرطوم يجب أن تُدار كالتالي:
الخرطوم جسر… لا مركز احتكار
تعود لتربط، لا لتستأثر.
المورد هو الثقة
وأي خطوة لا تزيد رصيد الثقة = استهلاك سياسي خاسر.
إدارة الانتقال لا تعني استعجال الاستقرار، بل بناءه خطوةً محسوبة، كما تُبنى المعادلات الدقيقة.
هندسة السردية قبل هندسة المباني..لأن الدولة تُبنى أولًا في الوعي.
# أصل القضية،،،
عودة رئيس مجلس الوزراء إلى الخرطوم لحظة فاصلة:
إما أن نُحسن قراءتها فتصبح بداية استعادة الدولة،
أو نُسيء إدارتها فتتحول إلى مشهد رمزي بلا طاقة.
الدولة لا تعود بالسيارات المصفحة…
بل بقدرتها على إعادة التوازن للمعادلة الوطنية.
هذه ليست عودة أشخاص…
هذه امتحان الدولة وفيه سؤال أصل القضية:
كيف ستبدو هذه المعادلة بعد عام؟

استدراك لقارئ أصل القضية
لماذا لم نبدأ بالبيروقراطية والفساد؟ كما اتفقنا بالأمس؟
لأن تشخيص العطب لا يكون قبل تحديد موضع الجرح ولأن الحديث عن بطء الدولة، ضياع روح القانون يفقد معناه إن لم نُجب أولًا على السؤال الأكبر:
هل عادت الدولة … أم عاد الأشخاص؟
ما كتبناه بالأمس عن الاستلاب لم يكن نهاية خطاب، بل تأسيسًا لإطار الفهم.
فالبيروقراطية لا تُبطئ دولة غائبة،
والفساد لا ينهش كيانًا لم يستعد معناه،
والإعلام لا يتخلى عن سلطته إلا حين تتخلى الدولة عن سرديتها.
لذلك كان لا بد أن نتوقف اليوم عند عودة الخرطوم،
لا بوصفها مكانًا، بل بوصفها معادلة.
لأن القارئ –وهو أصل القضية – لا يُطلب منه أن يحاكم التفاصيل قبل أن يفهم:
أي دولة نريد أن نُصلح؟
ما أُجِّل ليس هروبًا، بل ترتيبًا للأسئلة.
وما سيأتي ليس تكرارًا، بل استكمالًا لما بدأناه:
تفكيك الاستلاب… خطوةً خطوة، حتى لا يعود متخفيًا باسم الواقعية، أو متبررًا باسم (الوقت ما بيسمح.)

المقالة السابقة

سلسلة صفقات ترامب (الحلقة السادسة) .. أفريقيا في قلب القسمة الكبرى: من انحسار أوروبا إلى صعود الصين وروسيا .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

المقالة التالية

التنسيق الحكومي المتكامل ضرورة حتمية لبناء دولة مؤسسية فاعلة .. بقلم مستشار/ أحمد حسن الفادني ـ باحث بمركز الخبراء العرب

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *