Popular Now

وجه الحقيقة | عود لينا يا ليل الفرح… .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي(4) .. مؤشرات النهاية: العلامات العسكرية والسياسية التي تسبق حسم الحروب الداخلية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

أصل القضية | حين تُقصى الكفاءة .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد في السودان… حين تصبح العقول ساحة المعركة .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

في عالم تتقاطع فيه التكنولوجيا بالسلطة، لم تعد الحروب تُخاض بالبندقية وحدها، بل بالعقل أيضًا. هذا ما كشفه الكاتب الفرنسي ديفيد كولون في كتابه الفذ «حرب المعلومات: كيف تسيطر الدول على عقولنا»، حين أزاح الستار عن الحروب الخفية التي لا تُرى، لكنها تغيّر سلوك الشعوب وتعيد تشكيل إدراكها الجمعي.
ومتى ما أسقطنا هذا المنظور على الواقع السوداني، أدركنا أننا نعيش في قلب حرب معلومات ناعمة، تستهدف الوعي لا الجغرافيا، وتنهش الثقة لا الحدود.

حين تُزرع الفوضى في العقول

حين تُزرع الفوضى في العقول، لا تحتاج الطائرات إلى التحليق، يكفي أن تُطلق الشائعة الأولى.
يقول كولون إن السيطرة على العقول أخطر من السيطرة على الأراضي، لأنها تمنح العدو قدرة على إعادة تشكيل الهوية والاتجاهات من الداخل.
وفي السودان، لم تعد الحملات الإعلامية مجرد تبادل اتهامات سياسية، بل تحولت إلى استراتيجية ممنهجة لتفكيك البنية الذهنية للمجتمع.
ففي كل جبهة هناك رواية، وفي كل رواية تُزرع بذرة شك جديدة في العقول.
تمّ تحويل المواطن من متابع يبحث عن الحقيقة، إلى متلقٍ غارق في الضباب، لا يدري من يملك الحقيقة، ولا من يصنع الكذب.

من التحكم في السلوك إلى إعادة برمجة المجتمع

يوضح كولون أن أخطر ما في “حرب المعلومات” أنها لا تسعى لإقناعك فحسب، بل لتغيير طريقة تفكيرك.
وفي السودان، نجد مثالًا واضحًا على ذلك في الدور الإعلامي الممول إقليميًا، خصوصًا من دولة الإمارات، عبر حملاتٍ رقمية استهدفت تشكيل الرأي العام السوداني بما يخدم سرديات محددة.
فقد دُفعت روايات عبر وسائل التواصل ومنصات إعلامية ممولة لتشكيل صورة مغايرة للواقع، تُبرر ممارسات جناح الميلشيا وتغطي على المأساة الحقيقية في مدينة الفاشر، من إبادة جماعية، وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وجرائم اغتصاب.

لكن في المقابل، شكّل السودانيون على شبكات التواصل حائط صد وطنيًا واعيًا، إذ شنّ ناشطون وإعلاميون حملة رقمية مضادة قوية، فضحت الحقائق وجذبت تعاطفًا دوليًا من منظمات وشخصيات ودول، وأسهمت في كشف جزءٍ من الحقيقة أمام الرأي العام العالمي.

ولعل ما نعيشه اليوم من سباقٍ محموم على سردية الفاشر، ليس إلا وجهًا من وجوه هذه الحرب الجديدة، حيث الكلمة قد تقتل كما تفعل الرصاصة.
هذا التفاعل المتقابل بين الدعاية الموجّهة ورد الفعل الشعبي يعكس بوضوح أن المعركة على الوعي صارت ميدانًا مركزيًا في الصراع السوداني، وأن من يمتلك القدرة على إدارة السردية هو من يوجّه اتجاهات الرأي العام.

وعي الجسر والمورد: من الضحية إلى الفاعل

في رؤية استراتيجية الجسر والمورد، لا يُنظر إلى الوعي كأداة دفاع فحسب، بل كمورد وطني استراتيجي يمكن استثماره لبناء الاستقرار.
فإذا كانت القوى الخارجية تسعى لتفكيك إدراكنا الجماعي عبر حرب المعلومات، فعلينا تحويل الوعي ذاته إلى جسرٍ لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وإلى موردٍ يعيد تعريف العلاقة بين الإعلام والمجتمع على أساس المعرفة لا التهييج.

إن بناء اقتصاد الوعي هو الخطوة التالية لاستعادة السيادة الفكرية،
فاقتصاد الوعي ليس رفاهًا فكريًا، بل هو السياج الذي يحمي الدولة حين تنهار كل الأسوار.
فالدولة التي تملك القدرة على إدارة سرديتها، قادرة على حماية مواردها، لأن الوعي هو المورد الأول لكل نهضة.
وحين نعيد توجيه هذا المورد عبر الإعلام الرشيد، والتعليم النقدي، والخطاب المتوازن، سننتقل من حالة “الاستهداف” إلى مرحلة “التمكين”.

#أصل_القضية

إن ما يجري في السودان اليوم ليس فقط حربًا على السلطة أو الثروات، بل حرب على الحقيقة نفسها.
وحين تنتصر السردية المضللة، تنهزم الأمة في صمت.
ولذلك فإن معركة الوعي هي جوهر مشروع “الجسر والمورد”، لأنها تعيد تعريف القوة لا كقهرٍ مادي، بل كقدرة على صياغة المعنى.

إن وعي الشعوب هو السلاح الأخير حين تسقط كل الأسلحة. ومن امتلك وعيه… امتلك مصيره.

المقالة السابقة

حرب 15 أبريل 2025: انقلاب فاشل تحوّل إلى حرب وجود .. بقلم/ أمية يوسف حسن أبو فداية باحث وخبير إستراتيجي مختص في شؤون القرن الأفريقي

المقالة التالية

وجه الحقيقة |الفاشر.. حرب الإقليم وحدود الوعي الوطني .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *