«حين يخاف الناس الكلام، تتكلّم السردية وحدها».
بعد أن سألنا عبر أصل القضية في الأيام السابقة:
> من يعرّف الوعي؟
> ولماذا يُكافَأ الانفعال؟
> ومتى صار الاختلاف خيانة؟
> ومن يستفيد من الغضب؟
> ومن يحتكر التفسير؟
> ومتى استُبدلت الحقيقة بالشعور؟
نصل الآن إلى السؤال الذي يشرح لماذا لم يعد كثيرون يتكلمون:
متى أصبح الصمت فضيلة… والكلام عبئًا؟
الصمت لم يُفرض… بل شُجِّع
لم يقل لك أحد: اصمت،بل تمت التهيئة وتم ضبطك على أن:
•السلامة في الصمت
•الوقت ما مناسب
•”ما كل البتعرفو تقولو”
عبارات تبدو حكيمة، لكنها … تُكرَّر فصارت مصيرية.
تُحوّل الصمت من خيار شخصي إلى سلوك جماعي مُكافأ.
الصمت هنا لا يُختار، بل يُتعلَّم.
● كيف صار الكلام عبئًا؟
لاحظ بهدوء:
• الكلام يكلّف تفسيرًا
• يفتح أبواب تأويل
• وقد يجرّ عليك هجومًا رقميًا
• أو تشكيكًا في النية
• أو عزلة اجتماعية
بينما الصمت:
• آمن
• غير مُكلِف
• ولا يحتاج دفاعًا
وهكذا،
● يُعاد ضبط السلوك العام:
• من يتكلم سيدفع الثمن، ومن يصمت ينجو.
«اسكت عشان أمورك تمشي»…
> حين تحوّل الصمت إلى صفقة
لم يعد الصمت فقط خوفًا من الأذى، بل صار شرط عبور.
تعلّم الناس -دون اتفاق مكتوب- أن هناك معادلة غير معلنة تحكم الحياة اليومية:
•«اسكت… تمشي أمورك»
•«مالك ومال الناس»
•«خلّيك في حالك»
•«يا فيها… يا أطفيها»
هذه ليست نصائح حياد، بل تعليمات اندماج داخل نظام غير عادل.
هنا لا يُطلب منك أن تُصدّق السردية، يكفي فقط:
• ألا تُربكها.
•ألا تسأل.
•ألا تُحرج أحدًا.
•ألا تضع إصبعك على الخلل.
في هذه اللحظة، يتحوّل الصمت من موقف أخلاقي
إلى صفقة مصلحة:
• تسكت → تُقضى حاجتك
• تتكلم → تتعقّد أمورك
• تعترض → تُوصم
• تُصرّ → تُستبعد
وهكذا يُعاد تعريف “النجاة”:
•لم تعد في قول الحق، بل في تجنّب التكلفة.
الأخطر أن هذه القاعدة لا تُفرض من السلطة وحدها، بل تُدار اجتماعيًا:
• صديق ينصحك
• قريب “يخاف عليك”
• زميل “فاهم الدنيا”
كلهم يعيدون إنتاج نفس الرسالة:
«الكلام ما بجيب حق… بجيب ليك وجع الراس»
بهذا المعنى، لم يعد الصمت خوفًا فقط، بل استثمارًا فرديًا قصير المدى،
يدفع ثمنه المجتمع كاملًا على المدى البعيد.
حين تصبح المصلحة الخاصة شرطًا للصمت، يتحوّل الخطأ العام إلى وضع طبيعي، ويُصبح السؤال ترفًا، والاعتراض مغامرة غير محسوبة، والوعي عبئًا زائدًا عن الحاجة.
وهنا بالضبط، نكتشف أن أخطر أنواع الصمت
ليس الذي فُرض بالقوة، بل الذي قُبل مقابل تسهيل الأمور.
العنف الرقمي: معلم الصمت الأول
العنف الرقمي لم يُسكت الجميع بالضرب، بل بالقدوة السلبية:
• شاهد ماذا حدث لفلان حين تكلم
• لاحظ كيف شُوّه
• كيف أُخرج من الدائرة
• كيف صار عبئًا
• هذا متسلق أو …
فيتعلم الآخرون الدرس دون توجيه مباشر.
هكذا يعمل القهر الحديث:
لا يعاقب الجميع…
يكفي أن يُرعب البقية.
الحرب: حين صار الصمت “وطنية”
مع الحرب،
ارتقى الصمت درجة أعلى: صار يُقدَّم بوصفه:
• مسؤولية
• حكمة
• اصطفافًا أخلاقيًا
ومن يتكلم يُسأل:
• لماذا الآن؟
• ألا ترى أن هذا يضعف المعنويات؟
كأن الكلام صار خطرًا، ليس لأنه خاطئ، بل لأنه غير مُتحكَّم في أثره.
ماذا يحدث حين يسود الصمت؟
حين يسود الصمت:
• لا تُصحَّح الأخطاء
• لا تُراجع القرارات
• لا تُلتقط الإشارات المبكرة
• ولا يُسمع الإنذار
الصمت لا يُنهي الأزمة، بل يؤجل انفجارها.
أكثر الكوارث لا تبدأ بالضجيج، بل بصمت طويل.
رؤية الجسر والمورد: كسر الصمت الذكي
في الجسر والمورد، لا ندعو إلى الكلام المتفلت،بل إلى الكلام الواعي.
كلام:
• لا يصرخ
• لا يستفز
• لا يبحث عن بطولة
بل:
• يسأل
• يوضح
• ويُبقي المعنى حيًا
الجسر لا يضج، لكنه موجود…
ومن يعبره، يفهم.
هذا السؤال لا يطالبك أن تتكلم اليوم، بل أن تتأمل:
• متى ولماذا أصبح الصمت فضيلة؟
• ومن يستفيد حين نصمت جميعًا؟
إن كان الصمت اختيارًا، فلا مشكلة.
لكن إن كان خوفًا متقنًا، فهو أعلى مراحل الاستلاب.
في أصل القضية نواصل التفكيك، حتى يعود الصوت إلى صاحبه الحقيقي وهو أنت.

