هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تحتاج إلى بيان رسمي ولا وثيقة سياسية…
بل تحتاج إلى جرس واحد يدقّ بقوة، يوقظ ما تبقى من وعي، ويقول:
انتبهوا… فالأرض تتغير تحت أقدامكم.
سقطت هجليج أمس، لكن قبلها سقط شيء أخطر: سقط الوهم بأن ما يدور حولنا مجرد حرب مواقع؛ الأحداث تتجاوز الأشخاص، وتتجاوز الفصائل، وتتجاوز حتى موازين القوة التقليدية إنها تدخل منطقة جديدة… منطقة التحولات التي تغيّر مصير الدول، لا مسار المعارك.
■ من سيبكي على السودان… إن لم يبكه السودانيون؟
طرحتُ هذا السؤال قبل أيام، ولم أدرك حينها أن الأيام ستسرّع الخطى لتجيب بنفسها:
ليس المهم من يبكي…
المهم من سينهض ليمنع الخراب.
السودان الآن لا يحتاج إلى دموع على الخد، بل إلى دموع على الخرائط:
دموع يقظة… لا دموع حسرة.
دموع وعي… لا دموع متأخرين.
وليس صدفة أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم قبل ١٤٠٠ عام:
“ويلٌ للعرب من شر قد اقترب”
كأن هذا التحذير خرج من الزمن ليعود الآن… ليقف أمامنا ويشير إلى اللحظة.
ما يجري اليوم: تجاوز حدود “الحدث” إلى “المصير”
عندما يخرج مدير جهاز المخابرات العامة الفريق مفضل ليحذر والي الخرطوم من خطورة ملف المتعاونين، فهو لا يقدم معلومة عابرة…
بل يلمّح إلى جدار يتصدّع من الداخل، جدار إن سقط -لا سمح الله- لا ينهار وحده، بل ينهار معه كل ما تبقى من الدولة وهيبتها واستقرارها.
الشر اليوم ليس قادمًا من السلاح وحده، بل من ثلاثة أبواب:
١) بوابة الاختراق — حين يصبح الوطن مكشوفًا أمام الداخل قبل الخارج.
٢) بوابة الوعي المخدوع — حين يتحرك الناس بلا إدراك لما يُراد بهم.
٣) بوابة غياب الدولة — حين لا يتكلم المسؤول إلا عن يومه… لا عن وطنه.
وهذه الأبواب الثلاثة الآن… مفتوحة.
■ ليست معركة البرهان ولا كامل إدريس… إنها معركة السودان
الرجال — مهما علت رتبهم — محطات في المسار.
لكن المسار نفسه هو ما يجب أن نخاف عليه اليوم.
إن اختزال اللحظة في أسماء أشخاص يضيع البوصلة.
فالسؤال الحقيقي ليس:
ما الذي يحدث للجيش… أو للحكومة… أو للسياسة؟
بل:
ما الذي يحدث للسودان ككُل؟
السودان يواجه الآن حربًا على “بنيته العميقة”:
– على وعيه،
– على سرديته،
– على هويته،
– على مستقبل شبابه،
– على حدود وجوده نفسه.
إنها الحرب التي لا تُعلن لكنها تُرى في كل مشهد:
في سقوط مدينة، في صمت مسؤول، في ارتباك خطاب، في توسع النفوذ الأجنبي، في تآكل الثقة بين المجتمع والدولة.
■ سؤال النجاة: هل سيبقى السودان… أم سنبقى نحن فقط متفرجين؟
هناك فرق بين أن يسقط جزء من الوطن…
وبين أن يسقط الإحساس بالوطن.
الخطر الحقيقي الآن هو تحوّل السوداني إلى متفرج على بلده، يشاهدها من بعيد، يعلّق، يناقش يغضب، لكنه لا يشعر أن سقوط مدينة هو سقوط داخله.
هنا تبدأ لحظة الانهيار الكبرى في أي أمة:
حين يفقد الناس حسّ الملكية الوطنية، فيتعاملون مع بلادهم كما لو كانت شاشة… لا دارًا يسكنونها.
■ الجسر والمورد… ليست رؤية فكرية الآن، بل «حزام نجاة»
في ظل هذا السياق، تصبح رؤية “الجسر والمورد” ليست مشروعًا مستقبليًا بل آخر محاولات الإمساك بالدولة قبل انفلاتها.
هذه الرؤية تقوم على ثلاث ركائز عاجلة، تتحول اليوم من أفكار إلى “عوامل نجاة”:
١) استعادة السردية الوطنية
ليس لتزيين الخطاب… بل لتحديد من نحن في زمن تريد فيه قوى كثيرة أن تخبرنا من نكون.
٢) تحرير الوعي من الاستلاب الداخلي
ليس عبر الشعارات… بل بتحصين المجتمع من الداخل، من المتعاونين، من الاختراقات من الحرب التي تُدار عبر العقول قبل المدافع.
٣) بناء مشروع دولة يعيد ترتيب الأولويات
دولة تعرف أن أول واجباتها حماية الوعي… قبل الطريق، والحدود والوزارات.
■ اللحظة الأخطر: عندما يصبح الوطن مقعدًا شاغرًا
اليوم، السودان لا يُستهدف فقط في جغرافيته…
بل في “مقعده” داخل الوعي الجمعي.
القوى الدولية تتحرك.
الفاعلون المحليون يتغيرون.
الخرائط تُرسم.
والتهديدات تتكاثر.
والصراع أصبح على “روح السودان”… لا على أراضيه.
وفي وسط كل هذا…
يبقى السؤال الذي يحدد مصير أمة بأكملها:
إذا كان السودان سيبقى… فهل سيبقى السودانيون الذين يتعاملون معه كأنه بلدٌ بعيد؟
هل سنبكيه الآن… أم ننتظر أن يبكينا هو حين يغيب؟
#أصل_القضية … جرس إنذار نطلقه لا مجاملة فيه
هذه ليست لحظة حياد.
وليست لحظة ترف سياسي.
وليست لحظة تجريب.
إنها لحظة:
إما أن نستيقظ… أو نستسلم للانحدار بلا صوت.
ويلٌ للسودان من شرٍّ قد اقترب…
لا لأنه بلد ضعيف، بل لأن أبناءه يتأخرون عن وعي اللحظة.
أما العالم…
فلا ينتظر الدموع.
ولا يحترم المتأخرين.
ولا ينقذ من لا ينقذ نفسه.
مَن سيبكي على السودان — ويحميه — إن لم يبكه السودانيون الآن؟

