Popular Now

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. عودة الدولة…أم عودة الأشخاص ؟! .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

سلسلة صفقات ترامب (الحلقة السادسة) .. أفريقيا في قلب القسمة الكبرى: من انحسار أوروبا إلى صعود الصين وروسيا .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

امريكا وحلفائهما وممارسة الطغيان والتطرف والإرهاب علي العالم اجمع باسم الديمقراطية .. ” 2 من 3 ” ( قانون الغاب والاستخواذ ) .. بقلم/ د.بابكر عبدالله محمد علي

أصل القضية .. من كيغالي وأسمرا إلى الخرطوم: العبور نحو جسور الوعي الأفريقي .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر .. باحث بمركز الخبراء العرب

في عالم السياسة، هناك رسائل تُقال، وأخرى تُفهم. وفي أفريقيا، القارة التي تتنفس رمزية، لا تمر الأحداث بلا ظلال طويلة. حين يقدم السفير السوداني أوراق اعتماده في كيغالي، عاصمة الذاكرة والانبعاث، فإن الحدث يتجاوز معناه الدبلوماسي، ليعبر إلى عمق استراتيجي يُعيد تشكيل مفهوم “التمثيل” نفسه.

كيغالي: من الندوب إلى النهوض
رواندا ليست فقط معجزة أفريقية، بل مختبر عالمي لفكرة “إعادة بناء الدولة من تحت الركام”. بعد أن تكسرت عظامها في واحدة من أبشع المذابح في التاريخ، نهضت كيغالي لا عبر المنح، ولا عبر استعارة النماذج الغربية، بل عبر نموذج وطني صارم ومتدرج، قاده وعي سياسي يعرف تمامًا ماذا يريد، ويعرف أثمان كل انحراف عن المسار.
السودان، وهو يخرج من سنوات من التآكل السياسي والاقتصادي والحرب المفروضة، يحتاج اليوم ألا يكتفي بالتفرج على التجربة الرواندية، بل أن يعقد معها حوارًا عميقًا: كيف نُدير الذاكرة من دون أن نقع في الانتقام؟ كيف نُصالح دون أن نُساوم؟ كيف نبني مؤسسات لا تموت بتغير الأشخاص؟

سفير بمواصفات استراتيجية:
حين نقول إن تعيين السفير خالد موسى الزائر في رواندا يحمل بعدًا خاصًا، فنحن لا نمدح شخصًا، بل نشير إلى تحول في “فلسفة الانتداب الدبلوماسي”.
السفير هنا ليس حامل أوراق، بل حامل رؤية. ليس رسول تعليمات، بل رسول مشروع.

في استراتيجية “الجسر والمورد”، التي تمثل محاولة فكرية لإعادة تعريف دور السودان في بيئته الإقليمية، نشدد على أن الدبلوماسي لا يُرسل إلى سفارة، بل يُزرع في بؤرة استراتيجية لتمكين الوطن عبر أدوات القوة الناعمة والصلبة معًا.

أفريقيا لا تُدار من أديس فقط:
لأكثر من عقدين، احتكر البعض فكرة أن النفوذ في أفريقيا يُدار من أديس أبابا، مقر الاتحاد الأفريقي، لكن تحولات القرن الحادي والعشرين أثبتت أن مراكز التأثير الجديدة في القارة لا تقتصر على المقرات، بل تنبع من نماذج الحكم المحلية الناجحة، والبنية الأمنية الصلبة، والرؤية الاقتصادية الواضحة.

كيغالي اليوم تنافس أديس من حيث الجاذبية الاستثمارية، استقرار الحكم، نجاعة البنية التحتية الرقمية، وقبل ذلك: وضوح البوصلة.
والسودان، إن أراد استعادة دوره الأفريقي، عليه أن ينصت جيدًا لما تقوله المدن، لا فقط ما تقوله البيانات الرسمية.

كاغامي: الدولة حين تتجسد في شخص
> بول كاغامي ليس فقط رئيسًا، بل حالة سياسية. رجل يعرف كيف يُدير القوة، دون أن تغريه الشمولية. يعرف كيف يحكم بالأمن، دون أن يُغرق بلاده في الخوف. رجل يمثل “الدولة الحديثة” بصيغة أفريقية صريحة لا تعتذر عن خصوصيتها.

وحين يقف سفير السودان أمام كاغامي، فهو لا يقدم أوراقه فقط، بل يتلقى خطابًا ضمنيًا:
“إن أردتم أن تنجوا كدولة، فابنوا الفكرة أولًا، قبل أن تبنوا الجدران.”

سفاراتنا: من التمثيل إلى التمكين
هذا اللقاء يجب أن يكون علامة فاصلة.
السودان، الذي يمتلك إمكانات بشرية وزراعية وثقافية هائلة، لا يحتاج فقط إلى أن يُرى في أفريقيا، بل إلى أن يُفعل في أفريقيا.

كيف؟ عبر تحويل السفارات من واجهات رمزية إلى وحدات استراتيجية:

* غرف تنسيق اقتصادي مع الدول ذات التجارب الملهمة.

* مراصد فكرية لمتابعة التحولات السياسية في الإقليم.

* منصات لبناء تحالفات تكاملية في مواجهة تغول القوى الكبرى.

من الخرطوم إلى كيغالي: استعادة للذات
> الخارجية السودانية تحتاج إلى أن تعزل نفسها من حالة التيه بسبب صراعات الداخل .

لكن مشهد كيغالي قد يكون بداية جديدة.
بداية لبعث الدبلوماسية على أسس جديدة: قائمة على وضوح الأهداف، وانتقاء الكوادر، وبناء التحالفات لا التبعية.
ففي عالم تعيد فيه الدول تعريف مصالحها وهوياتها، لا مكان لمن يُمثل الدولة كـ”وظيفة”.
إنما لمن يجسدها كمشروع.

أصل القضية : الخرطوم حين تكتب نفسها بحبر كيغالي واسمرا
ليست كيغالي عبورًا، ولا الخرطوم محطة.
إنما كلاهما، مرآتان لممكنٍ أفريقيٍّ عظيم.
ففي الأولى، شُفيت الذاكرة، وفي الثانية تُكتب المقاومة.
وما بينهما، سفيرٌ يحمل فكرة، وأمةٌ تستعيد ذاتها لا بالتوقيع على الورق، بل بالنقش على صخر الوعي.
من كيغالي إلى الخرطوم، تعبر الدبلوماسية السودانية لا سفاراتٍ فقط… بل جسور وعي، وأبواب نهضة، ونوافذ للمستقبل.
فليُفتح الباب… ولتُكتب الرواية من جديد.

المقالة السابقة

العقوبات الامريكية الجديدة و الاتجاه شرقا … بقلم/ د.عادل عبد العزيز

المقالة التالية

منشورات د. أحمد المفتي ، رقم 5541 بتاريخ 25 مايو 2025 .. ردان رسميان علي العقوبات الامريكية ، بتاريخ 23 مايو 2025 ، يعوزهما البعد الجماهيري

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *