تمثّل الغابات إحدى الركائز الحيوية للنظم البيئية في السودان، حيث تسهم في تنظيم المناخ وتفعيل إنتاجية الفرد وحماية التربة، ودعم التنوع الحيوي، فضلًا عن دورها الاجتماعي والاقتصادي في تأمين مصادر الطاقة والمواد الخام لكثير من المجتمعات الريفية. إلا أن قطاع الغابات يواجه تحديات جسيمة وخطيرة .. أبرزها إزالة الغابات، والتوسع الزراعي والرعي الجائر، مما يستدعي وضع رؤية إستراتيجية وطنية شاملة تضمن استدامته وتحقيق المنافع البيئية والاقتصادية والاجتماعية للأجيال الحالية والمستقبلية.
أولًا: التحديات الرئيسة التي تواجه الغابات في السودان
1. إزالة الغابات (Deforestation): نتيجة التوسع الزراعي غير المنظم والاعتماد المفرط على الحطب والفحم كمصادر للطاقة.
2. الرعي الجائر والحرائق المتكررة.
3. ضعف التشريعات البيئية وتطبيق القانون.
4. قلة التمويل والاستثمارات في قطاع الغابات.
5. غياب الوعي المجتمعي بأهمية الغابات.
6. التغيرات المناخية والجفاف.
ثانيًا: الإطار الاستراتيجي المقترح
1. الرؤية:
تحقيق غطاء غابي مستدام ومتوازن بيئيًا واقتصاديًا، يسهم في تعزيز الأمن البيئي والمجتمعي في السودان بحلول عام 2050.
2. الرسالة:
تطوير سياسات وطنية فاعلة، وتعزيز الشراكات المجتمعية والإقليمية والدولية، لإدارة الموارد الغابية بأساليب مستدامة تحقق التوازن بين احتياجات الإنسان والحفاظ على البيئة.
3. الأهداف الاستراتيجية:
زيادة الغطاء الغابي بنسبة 20% بحلول عام 2035، و40% بحلول عام 2050. ولزيادة توضيح هذه النقطة الأساسية لابد بتناولها بمزيد من التركيز وفقا للأهداف الآتية :
1/ دمج مفاهيم الاقتصاد الأخضر والحياد الكربوني في إدارة الغابات.
بتعزيز التشريعات البيئية وتنفيذها بفعالية. حيث يشهد العالم في القرن الحادي والعشرين تحديات بيئية متزايدة، وعلى رأسها التغير المناخي الناتج عن الانبعاثات الكربونية. وقد برزت “أرصدة الكربون” كآلية عالمية مبتكرة لتحقيق التوازن البيئي من جهة، وتحفيز التنمية المستدامة من جهة أخرى. وفي هذا السياق، يبرز السؤال الآتي:
ما هي أرصدة الكربون؟ [Carbon Credits]
رصيد الكربون هو نظام يقوم على قياس كمية الغازات الدفيئة التي تم تجنبها أو إزالتها من الجو، وتُحسب بوحدة “طن مكافئ من ثاني أكسيد الكربون (tCO₂e)”. يحصل أصحاب المشاريع البيئية التي تقلل الانبعاثات على “رصيد كربوني” يمكن بيعه في الأسواق الطوعية أو التنظيمية .
لتعويض الانبعاثات.
2/ السودان والفرصة الكربونية:
يمتلك السودان إمكانات كبيرة تجعله مؤهلاً للاستفادة من سوق الكربون العالمي:
مساحة غابية شاسعة ومتباينة علي مستوي مناطق السودان المختلفة .
مشاريع مجتمعية قابلة للتأهيل في مجالات الطاقة النظيفة والزراعة الذكية.العمل علي تحقيق الريادة الإقليمية في إنتاج وتداول أرصدة الكربون من خلال مشاريع تنموية مستدامة تدمج بين البيئة والاقتصاد والمجتمع.توظيف الموارد الطبيعية والبشرية في السودان لإنتاج أرصدة كربون ذات موثوقية عالمية، تسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة والحياد الكربوني أو ما يعرف بالتوازن البيئي موجودة منذ أزمان بعيدة في السودان ممثلا في العديد.من المحميات الطبيعية وأبرزها المحميات الطبيعية والغابية الآتية:
١/ وسط شرق السودان محمية (الدندر) الطبيعية وتمتد إلى داخل إثيوبيا.
٢/ محمية وغابات (أم دافوق) غرب البلاد و تمتد إلى داخل حدود أفريقيا الوسطى.
٣/ جبل مرة في وسط وغرب دارفور.
٤/ غابة (الفيل) ولاية القضارف.
٥/ غابة (السنط) ولاية الخرطوم.
٦/ جزيرة (أم شجيرة) بالنيل الأبيض وامتدادها إلى مقرن النيلين، وتشكل أهم محمية للطيور في السودان ولاية الخرطوم.
٧/ غابات وسط الجزيرة منطقة (المحيريبا) وسط الجزيرة وتمتد إلى مناطق ما بين مشروع الجزيرة ومناطق مشروع المناقل.
وهناك العديد من الغابات والمحميات الطبيعية المنتشرة في مناطق غرب وشمال وجنوب كردفان علاوة علي غابات غرب دارفور المنشورة مع هذا المنشور ..و استنادا إلى هذا الكم الهائل من الغابات الطبيعية والتي تعرضت خلال العامين الماضيين إلى اكبر حملات الإبادة والقطع الجائر خلال فترة هذه الحرب نوصي بالإسراع بعمل التدابير والإجراءات العلاجية العاجلة وفقا للاستراتيجية للفقرات السابقة:
3/ تأسيس هيئة وطنية للكربون تُشرف على تسجيل المشاريع البيئية والغابات الطبيعية وقياس الانبعاثات بغرض الاستفادة منها وتحويلها إلى أرصدة كربونية تحسب علي أساس معادلة طن كربون انبعاثي عاجلة بغرض إيجاد الدعم الأممي والدولي من المنظمات العاملة في هذا المجال وخاص منظمة غرين بيس [[ Green Peace ]].
4/ بناء شراكات دولية مع المؤسسات المالية والبيئية.
5/ تدريب المجتمعات المحلية على الممارسات الزراعية والغابية منخفضة الكربون.
6/ إنشاء بنك بيانات للمشاريع المحتملة التي يمكن أن تنتج أرصدة كربونية.
التحديات المحتملة:
1/ ضعف القدرات الفنية في قياس الانبعاثات.
2/ غياب الإطار القانوني والتنظيمي الخاص بأسواق الكربون.
3/ ضعف الوصول إلى التمويل المناخي.
4/قلة الوعي المجتمعي والفهم العام لمفهوم أرصدة الكربون.
توصيات استراتيجية:
1..إعداد قانون وطني لتنظيم أسواق الكربون وقانون خاص بأرصدة الكربون.
2.الانضمام إلى المنصات الدولية لتسجيل أرصدة الكربون.
3.إشراك الجامعات ومراكز البحث في تطوير تقنيات القياس والتوثيق.
4.دمج مفهوم الكربون في سياسات التنمية الزراعية والغابية والتعليمية.
5.تمكين المجتمعات المحلية وتدريبها على الزراعة الغابية المستدامة.
6.استقطاب الاستثمارات في مشاريع إعادة التشجير والطاقة المتجددة.
ثالثًا: المحاور التنفيذية الاستراتيجية.
المحور التشريعي والمؤسسي:
1.تحديث قانون الغابات السوداني بما يواكب متطلبات التنمية المستدامة.
2.إنشاء هيئة وطنية مستقلة لإدارة الغابات بالتنسيق مع الولايات.
فرض عقوبات رادعة على الجرائم البيئية..
المحور البيئي:
1.تنفيذ مشاريع وطنية لإعادة التشجير باستخدام أنواع محلية مقاومة للجفاف.
2.حماية الغابات الطبيعية المتبقية وإعلانها كمحميات بيئية.
3.تطوير نظم للإنذار المبكر من الحرائق والآفات.
المحور الاقتصادي:
وعن هذا المحور الاقتصادي الهام سآتي بالمنشور القادم بالتركيز علي نموذج الأمريكي الاقتصادي الإستراتيجي د.(ميشيل بورتر) ..والذي يعمل على دعم الصناعات القائمة على المنتجات الغابية غير الخشبية والاستثمار في إنتاج الفحم النباتي الصديق للبيئة.
وتطوير السياحة البيئية في المناطق الغابية.
المحور الاجتماعي والتعليمي:
1.إدماج موضوع الغابات والاستدامة في المناهج التعليمية.
2.تمكين المرأة والمجتمع المحلي في مشاريع الغابات المجتمعية.
3.ا طلاق حملات توعية إعلامية لتعزيز ثقافة الحفاظ على الغابات.
الشراكات ودور المجتمع الدولي:
4.التعاون مع منظمات مثل برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO).
الاستفادة من آليات التمويل الدولية مثل صندوق المناخ الأخضر.
5.تفعيل الدبلوماسية البيئية في المحافل الإقليمية والدولية.
التقييم والمتابعة:
6.إنشاء مرصد وطني لمراقبة وتقييم التغيرات في الغطاء الغابي.
7.اعتماد مؤشرات أداء واضحة لكل هدف إستراتيجي.
8.إجراء مراجعات دورية كل 5 سنوات لتحديث الإستراتيجية.
خاتمة
تمثل استدامة الغابات في السودان ضرورة وجودية في ظل التحديات المناخية والتنموية المتسارعة. وتكمن مسؤولية الحفاظ عليها في تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والشركاء الدوليين. إن الاستثمار في الغابات هو استثمار في مستقبل السودان البيئي والاقتصادي.
د. بابكر عبدالله محمد علي
استشاري الجودة والتطوير. باحث و أاستاذ مساعد في علم اللغة التطبيقي


