الملخص:
يواجه السودان تحديًا وجوديًا في مرحلة ما بعد الحرب الراهنة، يتمثل في كيفية إعادة بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد على أسس جديدة تتجاوز النماذج التقليدية. في هذا السياق، يقدم هذا المقال تصورًا استشرافيًا يربط بين اقتصاد المعرفة كمدخل للتنمية الشاملة، وبين الميزات النسبية التي يمتلكها السودان في الموارد الطبيعية. يستعرض المقال تجربتي كوريا الجنوبية واليابان كدولتين تمكنتا من تجاوز الدمار الشامل وتحقيق نهضة شاملة بالاعتماد على رأس المال البشري والمعرفة، ويخلص إلى أن السودان يمتلك كل المقومات ليكون دولة متقدمة إذا تم توظيف اقتصاده المعرفي في تكامل ذكي مع موارده الطبيعية.
مقدمة:
شهد السودان خلال العقود الماضية سلسلة من النزاعات والصراعات السياسية والأمنية، انتهت بحرب مدمرة أثّرت على البنية التحتية والموارد البشرية. لكن من رحم المحن تولد الفرص. ومع بروز التحولات العالمية نحو اقتصاد المعرفة، بات من الضروري إعادة التفكير في نموذج التنمية السوداني بحيث لا يُبنى فقط على الزراعة أو النفط، بل على الإنسان والمعرفة والتكنولوجيا.
أولًا: مفهوم اقتصاد المعرفة وأهميته التنموية
اقتصاد المعرفة هو نظام اقتصادي يقوم على إنتاج وتوزيع المعرفة وتطبيقها لتعزيز النمو والإنتاجية. لا تقتصر أهميته على القطاع التكنولوجي، بل تشمل الزراعة والصناعة والصحة والتعليم. تعتمد الدول في هذا النموذج على رأس المال البشري المبدع، والبنية التحتية الرقمية، والبحث العلمي، بدلاً من الاعتماد المفرط على الموارد الخام.
ثانيًا: كوريا الجنوبية واليابان… من رماد الحرب إلى قمة التقدم
1. كوريا الجنوبية:
- بعد الحرب الكورية (1950-1953) كانت أفقر من السودان حاليًا.
- ركزت على التعليم والتدريب والبحث العلمي.
- استثمرت الدولة في الصناعات التكنولوجية مثل الإلكترونيات والاتصالات.
- خلال 30 سنة فقط أصبحت ضمن أكبر 15 اقتصادًا عالميًا.
2. اليابان:
- خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمرة بالكامل.
- اتجهت إلى اقتصاد المعرفة منذ خمسينيات القرن العشرين.
- دعمت التعليم الفني والابتكار الصناعي والبحث العلمي.
- أصبحت نموذجًا في الجودة الصناعية والإبداع التقني.
العنصر المشترك بين الدولتين؟ الاستثمار في العقل البشري كأهم مورد.
ثالثًا: السودان… موارد ضخمة تحتاج إلى عقلية معرفية
رغم الحرب، لا يزال السودان يملك فرصًا استراتيجية نادرة:
- أراضٍ زراعية خصبة تتجاوز 175 مليون فدان.
- ثروة مائية ضخمة من نهر النيل وروافده.
- ثروات معدنية مثل الذهب والكروم والنحاس.
- شباب يشكلون أكثر من 60% من السكان.
- موقع جغرافي استراتيجي يربط بين العالم العربي و أفريقيا.
لكن هذه الموارد لم تُستثمر كما ينبغي بسبب ضعف الإدارة وغياب استراتيجية وطنية قائمة على المعرفة والحوكمة.
رابعًا: كيف يتكامل اقتصاد المعرفة مع إمكانيات السودان؟
1. الزراعة الذكية:
- استخدام الذكاء الاصطناعي والمجسات لتحسين الإنتاجية.
- تطوير نظم الري بالتقنيات الحديثة.
- إدخال تقنيات التصنيع الغذائي عالي الجودة.
2. الصناعات التعدينية الرقمية:
- إنشاء منصات رقمية لمراقبة الإنتاج وضمان الشفافية.
- تطوير معادن السودان عبر سلاسل قيمة knowledge-based.
3. تحويل التعليم إلى محرك اقتصادي:
- ربط الجامعات بسوق العمل وريادة الأعمال.
- إنشاء مدن جامعية معرفية تعتمد على البحث التطبيقي.
4. البنية التحتية الرقمية:
- توسيع الإنترنت في المناطق الريفية.
- إدخال الحكومة الإلكترونية والخدمات الذكية.
5. تدريب وتأهيل الشباب:
- إطلاق برامج وطنية لبناء المهارات الرقمية.
- دعم منصات التعلم الإلكتروني في الريف والحضر.
خامسًا: شروط التحول نحو اقتصاد المعرفة في السودان
- استقرار سياسي وأمني يضمن التفرغ للبناء.
- إرادة سياسية واعية تؤمن بالعلم والابتكار.
- شراكة فاعلة بين القطاعين العام والخاص.
- استثمار المهاجرين السودانيين في الخارج كمصدر للمعرفة والخبرة.
- خطة استراتيجية وطنية للتحول الرقمي والتنمية المستدامة.
خاتمة:
ليس بعيدًا أن يصبح السودان دولة متقدمة إذا تبنّى نهج اقتصاد المعرفة، مستفيدًا من ثرواته الطبيعية والبشرية، ومستلهمًا من تجارب الدول التي سبقتنا مثل كوريا الجنوبية واليابان. فالسودان لا تنقصه الموارد، بل تنقصه رؤية شاملة وقيادة معرفية تؤمن بالمستقبل وتُطلق طاقات الإنسان السوداني ليعيد بناء الوطن من جديد.

