أسلوب الملاينة الفكرية والتناصح عندما يحتدم الخلاف ويكثر الجدل في كثير من الأحيان لا يجدي ولا يفيد كثيرًا في اغلب الأحيان وخاصة عندما يكون الخصمان من ملة واحدة ومسلمين فيكثر الشك والظنون بين الطرفين المتخاصمين. فكل طرف يحسب أنه يحسن صنعا. فتتعقد الأحوال والتطورات والأمور السلبية بين المتخاصمين ويصعب الحل في كثير من الأحيان. ولكن في الوقت نفسه من السهل جدًا للمسلم صاحب الفطرة السليمة أن يعرف الحق ويتبعه، فإذا أردت أن تعرف الحق في أي من الخصمين فما عليك إلا أن تنظر إلى أين تتجه سهام وبوصلة الأعداء من اليهود والنصارى والديانات الأرضية. هل هذه السهام من سهام الأعداء تقف إلى جانبك أم تقف إلى جانب الطرف الآخر؟ فالأمر واضح ولا يحتاج كثير عناء، فشاعر الإسلام وفيلسوف الشرق د. محمد إقبال أدرك الخلل مبكرًا جدًا ذلك أنه رجل معراجي الهوى والتفكير والسمو الروحي الفلسفي العميق، فلقد لخص الأزمة الأخلاقية والنفسية بين فئتين من أصحاب الديانات والمعتقدات في أرض الهند الجريحة والتي ما زال يمارس فيها القتل البشع ضد المسلمين وخاصة من الهندوس الذين يقتلون المسلمين بلا ذنب جنوه. ولذلك عندما احتدم الصراع والدمار والدماء والموت راوده حلم دولة منفصلة هي باكستان، ولكن يا ترى هل توقفت أنهار الدماء والقتل بعد تحقيق حلمه في باكستان؟ بالطبع لا ومليون لا، ما زالت أنهار الدماء والحقد الأعمى لم تتوقف حتى اللحظة، وما زالت هناك حروب تفتعل بين الجارتين النوويتين، لذلك لخص د. محمد إقبال المسألة ككل في شخصيتين كنماذج بلاغية بيانية فأراد أن يطلق الجزء ليصف به الكل، لخص الفيلسوف أزمة الهند في شخصين فقط هما:
1/ جعفر من البنغال.
3/ الصادق من الدكن.
فالأول هو صاحب ومؤسس شركة الهند الشرقية الكبري والتي سيطرت علي الاقتصاد الهندي وبدعم من بريطانيا العظمي وحولت الهند إلى مستعمرة كأنها تعيش عهد السخرة و الاسترقاق الحقيقي الأول وحولت المجتمع الهندي إلى طبقتين فقط لا ثالث لهما؛ فئة تمتلك الثروة والسلطة والمال وتستعبد باقي الشعب الفقير والذي انكسرت فقاراته وعظام ظهره بسبب استخدامه كوسيلة نقل للبشر تسمي [[ الركشة ]] ، فيجر بها الفقير سيده الغنيّ صاحب المال من خلال عجلة خشبية أو حديدية يجرها بكلتا يديه لإيصال سيده إلى الوجهة التي يريد.
أما الشخص الثاني (الصادق الدكن) ولعل فيها إشارة ذكية إلى انتشار المذهب الشيعي والذي كان مدخله إلى شبه الجزيرة الهندية عبر الطرق الباطنية، أو المتصوفة أو الصفويين من الشيعة أصحاب عقيدة ولاية الفقيه، إضافة لتعدد الملل والنحل ليعزف دومًا على باب الاختلاف والتباين بين الناس.
وبالنظر إلى الحالة السودانية فنفس الشخصين يبرزان دومًا للعيان بتحالف بغيض أو ما عرف باليسار الجديد المتوحش أو ما عرف بال(نيوليبرالية) المتعطشة للذهب والمال ولو أريقت دماء البشر أنهار في الجنينة، والفاشر، وبارا و ود النورة ..ولكن في الحالة السودانية تمثلت في ثلاثي جديد على النحو التالي:
1/ بعض من أبناء و أحفاد محمد أحمد المهدي، ونائبه وخليفته عبد الله التعايشي وحواضن أهله من القبائل.
2/ بعض من أبناء وأحفاد الميرغني.
3/ أحزاب اليسار المتوحش والمتعطش والمتطرف أو ما يعرف ب(النيوليبرالية) الموالية لإسرائيل والإمارات والدول الغربية.
ودون تفاصيل لهذا الثالوث الشيطاني الذي يعرفه القاصي والداني بكل التفاصيل حوله وحول أهدافه ومراميه…وماذا فعلوا ويفعلونه الآن؟ ما شاهدناه في ود النورة والجنينة والفاشر وفي كل مدينة أو قرية استباحتها قوات الدعم السريع وتأسيس لا يمكن وصفه بسهولة، وتكاد الروح من فزعها تهجر البدن، ماذا رأيت ورأى الناس؟ رأينا بحرًا من الدماء يفور إعصار على سطحه، ويمور إعصار في أعماقه. الجو يعج بأفاعٍ كأنها تماسيح النهر العميق أقحفتها وظهورها سوداء كالليل البهيم، وأسنانها بارزة تسيل منها الدماء حمراء قانية وحمراء غامقة، و وجوههم محمرة كلون الدم وشعرهم كأنه رؤوس الشياطين مسدول أسود كشعر أبو لؤلؤة المجوسي القاتل وأجنحتهم زئبقية اللون، والأمواج والرصاص يزأر كأنها النمور والأسود وتموت التماسيح علي شواطئ المدن فزعًا منها ..لم تعط سواحل الأنهار المليئة بالدماء لحظة راحة واحدة، ففي كل لحظة ويوم تتهاوى أجزاء من الجبل والأرض السهلية فتاتًا في الدم، وتتصارع أمواج الدم وأمواج الدم لا تقف وليس لها حدود، بينما أرى في وسطها زورقًا يعلو ويهبط وكان في ذلك الزورق رجلان مصفرين الوجه عاريين، مشعثي الشعر … ذلكما هما مصاص الدماء عبد الرحيم دقلو و (أبو لولو).
هؤلاء الثلاثة أصناف الذين أشرت إليهم، هم عار علي الإنسانية، وعار علي الدين وعار علي الوطن وهم نماذج للجحود واليأس. ولا غرو، فلقد انهارت أمم من جراء عملائها وجواسيسها.
إن باكستان عندما انفصلت لم تسلم من الهند والهندوس، وأن السودان لم يسلم من جنوب السودان حينما انفصل عنه في عام ٢٠١١م، وإن هؤلاء ،دعاة الديمقراطية، لن يكون لهم مكان في السودان في الدنيا ولن يكون لهم مقام في الجنة يوم البعث والنشور والحساب، وترفض نار جهنم حتى أجسادهم وقد يظن البعض أنهم من أهل الأعراف لأنهم مسلمون. و لا عجب في ذلك لأن من يتعرض لسخط الله تعالى وغضبه في كل حين، فهناك مئات الألوف من الملائكة فيه يمسكون الرعد ويوزعون سخط الله تعالى منذ يوم [السبت] في إشارة إلى قوله تعالي [[و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى]] الأعراف ١٧٢..إنهم قوم ترفضهم الجنات وترفضهم حتي جهنم، وأمثال هؤلاء لهم عذاب ضعف من عذاب جهنم مع المنافقين والكذابين والضالين وفي الدرك الأسفل من النار والعياذ بالله.
اللهم لا تفتنّا بعد إيماننا ونسألك أن تردنا إلى دينك ردًا جميلًا.
والله ولي التوفيق.


