في زمنٍ أنهكته الحروب، و وسط أنقاض المدن التي تلاشى فيها الحجر و البشر، لا يزال الأمل حيًّا في العيون السودانية.
لكنه لم يعد ذاك الحلم العائم على أجنحة التمنّي، بل تحوّل إلى مخطط واقعي للتعمير ينبض في وجدان كل سوداني لا يزال متمسكًا بالوطن رغم الجراح.
لقد علمتنا الكوارث الأخيرة – و على رأسها الحرب – أن لا مجال للتعافي إلا بالتحرك، و لا جدوى من انتظار المعجزات في عالم لا يعترف إلا بالجهد و البناء.
و من هنا، أصبح الغد السوداني مشروعًا مفتوحًا، لا يُكتب بالحبر، بل يُرسم بالعمل، بالفأس في الحقل، بالمطرقة في الورشة، و بالفكرة في عقل الشاب السوداني الذي أنهكته المنافى.
فالغد الذي ننشده، لا مكان فيه للهشاشة أو الاتكال. بل هو غدٌ تقوده مشاريع التعمير الشامل:
• زراعة مستدامة لا تخضع للمواسم، بل تخضع للتخطيط.
• صناعة تنهض على الابتكار، لا على بقايا المصانع القديمة.
• تعليم يلامس الواقع، ويؤسس لعقل قادر على فهم تحديات العصر، لا فقط اجتياز الامتحانات.
الغد هو حين تُعاد الحياة للقرى المهجورة، وتُبعث المدارس من جديد في أطراف الوطن المنسية،
حين يرى النازح بيته يُبنى أمام عينيه، لا عبر وعد مؤجل.
هو حين تنبض الطرق من العاصمة إلى الأطراف، فلا تنقطع الصلة بين المدن و الريف، و لا تظل التنمية رهينة المركز وحده.
ومع هذا كله، لا بد أن تُعاد صياغة مفهوم الدولة:
• أن تُبنى على الحوكمة الرشيدة لا على الولاءات،
• أن تُدار مؤسساتها بالكفاءة لا بالمحاصصة،
• و أن يكون المواطن شريكًا في القرار، لا رقماً في كشوفات المعاناة.
لقد حان الوقت لننتقل من ردود الأفعال إلى رسم المستقبل بخطة وطنية كبرى، تبدأ من الآن، و لا تُرحَّل إلى ما بعد (الاستقرار).
فالاستقرار الحقيقي ليس وقف إطلاق النار فقط، بل إطلاق مشاريع الإعمار و الإنتاج و إعادة بناء الإنسان السوداني نفسيًا و اقتصاديًا.
إننا لا نكتب هذا المقال لنُجمّل الألم، بل لنُعلن أن مرحلة الترقب قد انتهت.
و من أراد السودان أن يعود، فليحمل أدوات البناء.
و من أراد الغد، فليدخل ميدان العمل، لأن الزمن الآن هو زمن التعمير لا التبرير و زمن التخطيط لا التنظير.
و لن ننتظر من يأتينا بالخلاص… فنحن الخلاص.


