بين الفوضى المؤسسية وحلم الدولة الحديثة:
في عالم تتسارع فيه وتيرة التحولات الاقتصادية والاجتماعية تظهر قدرة الدول على الصمود والتقدم من خلال كفاءة أنظمتها الإدارية وتكاملها، لا تكفي الموارد الطبيعية أو رأس المال البشري وحدهما لتحقيق التنمية المستدامة، بل يبقى العامل الحاسم هو الكيفية التي تدار بها هذه الموارد عبر مؤسسات منسجمة ومتسقة، فواقع العديد من الدول العربية يشير إلى فجوة واسعة بين الطموح التنموي والقدرة التنفيذية حيث تعاني الأجهزة الحكومية من التشتت والازدواجية وضعف التكامل مما يحول الأهداف الكبرى إلى شعارات بعيدة المنال.
تشخيص الواقع: ثالوث التحديات المؤسسية:
1. التعامل البيروقراطي وسيادة الدولة الإدارية: تعمل العديد من الوزارات والمؤسسات الحكومية كجزر منعزلة تحمي نطاق صلاحياتها وتتنافس على الموارد أكثر من تعاونها لتحقيق الأهداف الوطنية المشتركة حيث ينتج عن ذلك:
– ازدواجية الجهود وتضارب السياسات ويظهر ذلك في الخدمات المختلفة المقدمة للمواطن تختلف إجراءاتها و مطلوباتها.
– هدر للموارد العامة بسبب تكرار المشاريع وعدم الاستفادة من الاقتصادات الجماعية.
– إطالة أمد الإجراءات وتعقيدها مما يثبط الاستثمار ويضعف ثقة المواطن.
2. غياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة: غالبا ما تصاغ الاستراتيجيات الوطنية بلغة فضفاضة تفتقر إلى مؤشرات أداء قابلة للقياس وآليات تنسيق واضحة بين الجهات المعنية مما يؤدي غياب خارطة الطريق عملية ومتفق عليها إلى:
– تشتت الأولويات وتناقضها بين القطاعات.
– ضعف المساءلة بسبب صعوبة تحديد الجهة المسؤولة عن النتائج.
– ردود فعل آنية على الأزمات بدلا من العمل الاستباقي المبني على التخطيط المشترك.
3. الشلل في تدفق المعلومات وصنع القرار: تعد سياسة الصوامع المعروفة أكبر عائق أمام الحوكمة الرشيدة باحتكار المعلومات وعدم وجود منصات رقمية موحدة للتشارك يؤدي إلى:
– قرارات غير مستنيرة بسبب الاعتماد على بيانات جزئية أو غير دقيقة.
– ضعف الاستجابة للأزمات والتعامل معها بشكل قطاعي ضيق.
– إعاقة الابتكار لأن الأفكار والحلول لا تنتقل عبر الجسم الحكومي.
خارطة الطريق: نحو نموذج تنسيقي متكامل وفعال
لتحويل التنسيق من شعار إلى واقع مؤسسي مقترحه في هذا المقال ضمن رؤية تنظيمية متكامله تقوم على أربعة أعمدة رئيسية:
العمود الأول: البنية التحتية للتنسيق (الهيكل)
1. تفعيل مجلس التنسيق الحكومي : برئاسة رئيس الحكومة و الأمانة العامة لمجلس الوزراء وعضوية الوزراء المعنيين والمستشارين التكنوقراط يكون له سلطة اتخاذ القرار في القضايا العابرة للوزارات وميزانية تشغيلية مستقلة.
2. تأسيس وحدات التنسيق الاستراتيجي داخل كل وزارة تكون همزة الوصل مع مجلس التنسيق الأعلى والوزارات الأخرى، وتتبع لمكتب الوزير مباشرة.
3. تفعيل منصات التخطيط المشتركة: لمناقشة السياسات الكبرى (مثل التحول الرقمي، الطاقة، الأمن الغذائي) بمشاركة جميع الأطراف المعنية من الحكومة والقطاع الخاص والخبراء.
العمود الثاني: آليات التشغيل (النظام)
1. اعتماد نماذج أعمال موحدة لعمليات الخدمات المشتركة (المشتريات، الموارد البشرية، تكنولوجيا المعلومات) لتحقيق الكفاءة والشفافية.
2. إلزامية تقييم الأثر التنسيقي لأي مشروع أو سياسة جديدة قبل اعتمادها، لتحديد تأثيره على القطاعات الأخرى وتكاليف التنسيق اللازمة.
3. نظام الإدارة بالأهداف الوطنية: حيث تترجم الأهداف الاستراتيجية الكبرى إلى أهداف فرعية ممرحلة مرتبطة بعدة وزارات مع تحديد مساهمات كل منها ومؤشرات أداء مشتركة.
العمود الثالث: رأس المال البشري والتكنوقراطي (الطاقة المحركة)
1. برنامج إعداد القادة: لتدريب وترقية كوادر شابة على مهارات القيادة العابرة للقطاعات والتفكير المنظومي الاستراتيجي وإدارة المشاريع المعقدة.
2. إدماج الخبرات التكنوقراطية: عبر إنشاء مجالس أو هيئات استشارية مستقلة للسياسات تضم خبراء من الأكاديميين و التنفيذيين وإشراكهم في صياغة السياسات.
3. نظام المكافآت والحوافز القائم على الأداء الجماعي: بحيث يُكافأ الوزير والموظف ليس فقط على إنجاز وزارته فقط، إنما على مساهمته في تحقيق الأهداف الوطنية المشتركة.
العمود الرابع: النظام الرقمي الداعم (التمكين التكنولوجي)
1. بناء منصة وطنية موحدة للبيانات الحكومية: كما هو بدأ الآن في الحكومة يسمح بالمشاركة الآمنة والذكية للبيانات بين المؤسسات وفق أطر حوكمة واضحة.
2. تطبيق إدارة الأداء العمل الحكومي المتكامل: لربط العمليات الخدمية عبر الوزارات وإزالة التعقيدات.
3. استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ والتنسيق: من خلال أنظمة تحليل البيانات الضخمة لتوقع الاحتياجات والتحديات وتقديم توصيات للتنسيق الاستباقي.
ضمانات النجاح هو الإرادة السياسية والتغيير الثقافي:
كل ما سبق يظل حبرا على ورق دون شرطين أساسيين:
أولا: الإرادة السياسية العليا الحازمة، يجب أن يكون التنسيق أولوية وطنية يأمر بها القيادة السياسية وتراقب تنفيذها شخصيا مع استعداد لاتخاذ قرارات صعبة قد تتضمن إعادة هيكلة مؤسسات أو إلغاء امتيازات.
ثانيا: التحول الثقافي المؤسسي: من ثقافة القطعية والاحتكار إلى ثقافة التشارك والمسؤولية الجماعية ، وهذا يتطلب حملات توعية داخلية ونماذج قيادية قدوة ورواية إعلامية جديدة تبرز قصص نجاح العمل المؤسسي المتكامل.
الدولة كمنظومة واحدة:
الدولة الحديثة ليست بمجموع أجزائها وعددها، إنما هي ناتج التفاعل العضوي بين هذه الأجزاء. التنسيق الحكومي المتكامل هو شرط وجودي للبقاء في عالم معقد ومترابط يجمع بين الإرادة السياسية الحاسمة والهياكل الذكية والكفاءات الشابة الطموحة والخبرات التكنوقراطية العميقة يشكل المعادلة الذهبية لصناعة دولة قادرة على تنفيذ رؤيتها ومواجهة تحديات المستقبل.
فقط تكون البداية بقرار شجاع و الاعتراف بأن المشكلة تكمن في كيف نعمل معًا، وأن الحل يبدأ بتصميم نظام يجعل التعاون هو الطريقة الوحيدة للعمل حينها فقط ننتقل من دولة التشتت إلى دولة المؤسسات المتناغمة.
نسأل الله لكم التوفيق في ظل التعقيدات و التحديات الماثلة أمام كل مواطن و مسؤول.


