مدخل: تحركات محسوبة في لحظة مفصلية
في ظل حرب أنهكت الدولة السودانية وفتحت أبواب التدخلات الإقليمية والدولية، تبرز التحركات السياسية والدبلوماسية الأخيرة بوصفها مؤشرات على إعادة تموضع السودان داخل الإقليم الأفريقي والعربي. وتأتي زيارة رئيس مجلس السيادة إلى القاهرة، مترافقة مع تصريحات واضحة لممثل الاتحاد الأفريقي في الخرطوم، لتطرح سؤالًا جوهريًا: هل تقترب عودة السودان إلى الاتحاد الأفريقي؟
أولًا: زيارة البرهان إلى القاهرة — تثبيت الشرعية ودعم الدولة
جاءت زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى مصر في توقيت بالغ الحساسية، حيث أصدرت الرئاسة المصرية بيانًا واضحًا أكدت فيه:
- دعمها الكامل لوحدة السودان وسلامة أراضيه.
- مساندتها لمؤسسات الدولة السودانية الشرعية.
- رفضها أي مسارات تفضي إلى تفكيك الدولة أو شرعنة الفوضى.
هذه الرسائل لم تكن بروتوكولية، بل سياسية بامتياز، وتعكس رؤية القاهرة التي ترى في انهيار السودان تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي، خاصة في حوض النيل والقرن الأفريقي. كما أن الزيارة منحت مجلس السيادة دفعة إقليمية مهمة في مواجهة محاولات فرض وقائع سياسية موازية على الأرض.
ثانيًا: تصريحات السفير محمد بلعيش — موقف أفريقي بلا مواربة
في موازاة التحرك الإقليمي، جاءت تصريحات السفير محمد بلعيش، ممثل الاتحاد الأفريقي في السودان، لتؤكد تحولًا لافتًا في نبرة ومضمون الموقف الأفريقي.
🟢 دعم وحدة السودان والشرعية
أكد بلعيش خلال لقائه بالبرهان أن الاتحاد الأفريقي:
- يدعم وحدة السودان واستقراره.
- يعترف فقط بالمجلس السيادي والحكومة المدنية الانتقالية المعترف بهما.
- يرفض الاعتراف بأي حكومة موازية تنشأ عن أطراف النزاع.
وهذا الموقف يمثل ضربة سياسية مباشرة لأي محاولات لشرعنة كيانات موازية خارج إطار الدولة.
🟢 وقف النار ورفض التدخل الخارجي
شدد ممثل الاتحاد على:
- ضرورة وقف دائم وغير مشروط لإطلاق النار.
- العودة إلى الحوار السياسي وفق اتفاق جدة كأساس للحل.
- الرفض القاطع لأي تدخل خارجي أو دعم عسكري ومالي للأطراف المتحاربة.
وهي رسائل تعكس قلقًا أفريقيًا متزايدًا من تدويل الصراع وتحويل السودان إلى ساحة تصفية حسابات.
ثالثًا: رفض قوات الدعم السريع لتصريحات ممثل الاتحاد الأفريقي
على النقيض من استجابة بعض القوى السياسية والدولية، أبدت قوات الدعم السريع رد فعل سلبيًا تجاه تصريحات السفير بلعيش. فقد وصف مستشار قائد الدعم السريع، الباشا طبيق، تصريحات مبعوث الاتحاد الأفريقي بأنها “غير موفقة” ولا تليق بمسؤوليات المنصب، معتبرًا أن بلعيش خالف مبدأ الحياد بتجاهله ما أسماه انتهاكات الجيش تجاه قوات الدعم السريع، وهو ما اعتُبر من جانبهم تحيّزًا لصالح طرف على حساب آخر. وفق المنشور الذي صدر عن طبيق، فإن هذا الوضع يضع ممثل الاتحاد الأفريقي في دائرة الشك حول حياده في الوساطة.
يُبرز هذا الرفض بوضوح الانقسامات الراهنة في المشهد السياسي السوداني، حيث ترى قوات الدعم السريع أن بعض المبادرات الخارجية تميل إلى دعم طرف على حساب آخر، وهو رأي يعكس عمق الانقسام داخل القوى المتصارعة، ويضع عوائق إضافية أمام أي جهد وساطي. هذا الموقف يأتي في وقت يكرر فيه الاتحاد الأفريقي رفضه لأي حكومة موازية أو كيان ينفصل عن التسلسل الشرعي للدولة، وهو موقف أكد عليه مجلس السلم والأمن في بيانه الأخير.
رابعًا: ملف استعادة عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي
في لقائه برئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، فتح السفير بلعيش ملفًا بالغ الأهمية: عودة السودان إلى الاتحاد الأفريقي.
وأكد في هذا السياق أن:
- الاتحاد يدعم عودة السودان بعد تشكيل حكومة مدنية.
- الخرطوم تملك إرثًا تاريخيًا في العمل الأفريقي لا يمكن تجاوزه.
مجلس السلم والأمن الأفريقي سيناقش ملف السودان في أغسطس، مع التركيز على:
- دعم الشرعية الوطنية.
- إعادة الإعمار.
- برامج عودة النازحين واللاجئين.
خامسًا: هل اقتربت عودة السودان إلى الاتحاد الأفريقي؟
الإجابة الواقعية: نعم… ولكن بشروط، فالمؤشرات الحالية توحي بأن:
- الاتحاد الأفريقي بات أكثر وضوحًا في دعم الدولة السودانية الواحدة.
- هناك استعداد سياسي لرفع التجميد عن عضوية السودان.
لكن ذلك يظل مرتبطًا بـ:
- إكمال تشكيل حكومة مدنية ذات شرعية أو توسيع الحكومة الحالية من خبرات مستقلة
- وقف فعلي لإطلاق النار.
- استعادة الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي.
بعبارة أخرى، الكرة الآن في ملعب الداخل السوداني، لا في أديس أبابا.
خاتمة: نافذة سياسية لا تحتمل الإهدار
تشير زيارة القاهرة، تصريحات الاتحاد الأفريقي، وردود الفعل المختلفة، إلى أن السودان أمام نافذة سياسية نادرة لإعادة تثبيت شرعيته الإقليمية والدولية. غير أن هذه الفرصة قد تضيع إذا استمرت الحرب، تواصل دعم الميلشيا وتعددت التدخلات الدولية السالبة، وازدادت الانقسامات والتي تعمق السياسية، مما تعمّق الأزمة ويُعرّض وحدة البلاد للخطر.
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com


