السودان البلد المترامي الاطراف ،حباه الله من الخيرات و النعم دون باقي البلدان ،مياه ، اراضي زراعية ،معادن ، ثروة حيوانية ، بترول ،وغيرها مالم يكتشف .
ونحن في كل مقال نحاول ان نطرق بابا من خيرات بلادنا العظيمة ونطرح موضوعات للاستفادة منها من خلال اطروحات اقتصادية استراتيجية ،فاليوم نتحدث عن الذهب الابيض (القطن).
يعد القطن، أو (الذهب الأبيض)، من أهم المحاصيل الزراعية الاستراتيجية في السودان، وقد شكل عبر عقود أحد أعمدة الاقتصاد الوطني ومصدرا رئيسيا للعملات الأجنبية والتوظيف والتنمية الريفية. ورغم التراجع في مكانته في العقود الأخيرة، فإن فرص إعادة النهوض به لا تزال قائمة بقوة، خاصة في ظل توفر الموارد الطبيعية والبشرية، وعودة الاهتمام المحلي والدولي بتطوير سلاسل القيمة و الامداد الزراعية.
ومن خلال النقاط التالية سوف نستعرض ماهية القطن كمحصول استراتيجي يساهم في رفع الاقتصاد القومي السوداني :
أولا: نظرة تاريخية على القطن في السودان: بدأت زراعة القطن في السودان بشكل تجاري منذ أوائل القرن العشرين، وارتبطت ارتباطا وثيقا بمشروع الجزيرة الزراعي، الذي يعد من أكبر مشاريع الري الزراعي في إفريقيا. وكان القطن المصدر الأول للصادرات السودانية خلال النصف الأول من القرن الماضي، حيث تم تصدير أنواع متعددة مثل القطن طويل التيلة والمتوسط التيلة، ولاقى قبولا واسعا في الأسواق العالمية، خاصة البريطانية واليابانية،وفي فترات ازدهاره، ساهم قطاع القطن بنسبة تتراوح بين 40% إلى 60% من إجمالي عائدات الصادرات، ووفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لآلاف الأسر. إلا أن تراجع الدعم الحكومي، وضعف البنية التحتية، والعقوبات الاقتصادية، أدت إلى انهيار تدريجي للقطاع، مما أدى إلى تقلص المساحات المزروعة من أكثر من 500 ألف فدان إلى أقل من 100 ألف فدان في بعض السنوات.
ثانيا: القطن في واقع الاقتصاد السوداني المعاصر:
رغم التراجع، فإن القطن لا يزال يحتفظ بمكانة معتبرة كمحصول نقدي عالي العائد وقابل للتصدير. في السنوات الأخيرة، عادت مساحات زراعته إلى الزيادة تدريجيا بعد تحرير الأسواق، وظهور الشراكات بين المزارعين والقطاع الخاص، واعتماد بعض التقانات الحديثة والتقاوي المحسنة مثل صنف “بركات 90” وصنف “الكاندلار”،ولكن لا تزال التحديات ماثلة، منها:
– نقص التمويل.
– ضعف الخدمات الإرشادية.
– محدودية التصنيع المحلي.
– غياب التنسيق المؤسسي الشامل بين المزارع والمصنع والمصدر.
ثالثا: الفرص المتاحة للنهوض بقطاع القطن:
1. الإمكانات الطبيعية: يتمتع السودان بأراضي زراعية خصبة تمتد من النيل الأزرق إلى ولايات دارفور والجزيرة وسنار والقضارف ونهر النيل ، مع مياه وافرة ومناخ مناسب.
2. الطلب العالمي المتزايد على القطن العضوي: يمتلك السودان ميزة تنافسية في إنتاج القطن العضوي الخالي من الكيماويات، ما يؤهله ليكون ضمن الدول الرائدة في هذا المجال.
3. التقانات الزراعية الحديثة: تشمل الري المحوري، الزراعة الدقيقة، استخدام الطائرات المسيرة، نظم الزراعة الذكية، والتقاوي المعدلة وراثيا ذات الإنتاجية العالية والمقاومة للافات.
4. الصناعات التحويلية الممكنة:
– الغزل والنسيج.
– صناعة الزيوت من بذور القطن.
– صناعة الورق والملابس.
– منتجات الطاقة الحيوية من مخلفات القطن.
– تغليف وتعبئة المنتجات التجميلية والطبية.
رابعا: حلول اقتصادية استراتيجية للنهوض بقطاع القطن في السودان:
1. إعادة هيكلة شركة السودان للأقطان: تحويلها إلى شركة وطنية قابضة او شركة مساهمة عامة بمشاركة الدولة والقطاع الخاص وذلك لزيادة الكفاءة الانتاجية و التشغاية وزيادة رأس المال العام . مع جعلها الجهة الرسمية الوحيدة لتسويق القطن داخليا وخارجيا.و ربطها بالمؤسسات المالية لضمان التمويل المستدام.
2. الدعم الحكومي الذكي: دعم التقاوي المحسنة للمزارعين ، وإنشاء مراكز تدريب وإرشاد زراعي مع تقديم ضمانات للقروض الزراعية، وتطوير البنية التحتية (الطرق، المخازن، النقل، الكهرباء).
3. الشراكة مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي: من خلال جذب الاستثمارات لصناعة النسيج والغزل داخل السودان. و تطوير المناطق الصناعية المتخصصة في الصناعات التحويلية، و التسويق و الترويج للقطن السوداني كـ”ماركة” عالمية بعلامة تجارية جديدة .
4. تطوير سلاسل القيمة والتصنيع المحلي: من خلال تقليل الفاقد في الحصاد والتخزين والنقل، وتشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالقطن، مع ربط الإنتاج الزراعي بالصناعي والتعليم الفني.
5. التوسع في الإنتاج العضوي والتصدير المتنوع: بإنشاء وحدات تصديق للقطن العضوي، بدخول أسواق جديدة مثل الصين، تركيا، الهند، وأوروبا الشرقية، مع تنويع المنتجات المصنعة من القطن.
خامسا: خارطة طريق مقترحة للنهوض بالقطاع:
1. المرحلة قصيرة المدى: دعم التقاوي والتقانات، إعادة هيكلة شركة السودان للأقطان، تدريب المزارعين 1-2 سنوات
2. المرحلة متوسطة المدى إدخال الصناعات التحويلية، الشراكات الاستثمارية، التوسع في الزراعة العضوية 2-5 سنوات.
3. المرحلة طويلة المدى توطين صناعة الغزل والنسيج، دخول الأسواق العالمية، الاعتماد على القطن كأحد مصادر الدخل القومي الأساسية 5-10 سنوات
سادسا: نحو اقتصاد زراعي صناعي متكامل: إن إعادة القطن إلى مكانته كواجهة للاقتصاد السوداني ليس حلما بعيد المنال، بل هو مسار واقعي إذا ما تم التخطيط له بإرادة سياسية واضحة، وتمكين حقيقي للمنتجين، وتكامل فعلي بين الدولة والقطاع الخاص ،ويعد الاستثمار في القطن بوابة لتحقيق الأمن الاقتصادي، وتوفير فرص العمل، وزيادة الدخل القومي، وتعزيز هوية السودان الزراعية الصناعية في الأسواق العالمية.
(الذهب الأبيض يمكن أن يكون فعلا ذهب السودان الحقيقي)
فالعبرة لمن اعتبر


