ليس من السهل على أي سوداني صادق أن يتحدث اليوم عن حال بلاده دون أن يعتصره الألم فالوطن بكل ما يملك من ثروات أرضية وبشرية هائلة يسير بخطى متعثرة في طريقٍ تغيب عنه البوصلة ويختلط فيه العجز بالارتجال، إن ما نراه اليوم من إدارة الدولة السودانية بهذه الصورة المبعثرة التي تفتقر للتخطيط والرؤية، لا يليق ببلدٍ كان يمكن أن يكون منارات النهضة في إفريقيا والعالم العربي ،لقد تحولت الإدارة السياسية المدنية إلى ردود أفعال بدلا من أن تكون إدارة مبنية على رؤية إستراتيجية طويلة المدى.
تدار الملفات الكبرى بعقلية اكل الدهر عليها وشرب و عمل اليوم باليوم بلا قراءة دقيقة للواقع ولا استشراف مدروس للمستقبل، بينما الدول من حولنا تسابق الزمن لتحديث تشريعاتها وتحفيز استثماراتها وتطوير مواردها البشرية و المادية و مازلنا في السودان نغرق في تفاصيل صغيرة وننشغل بالقشور على حساب الجوهر.
##غياب الرؤية الوطنية الشاملة:
لا يمكن لأي دولة أن تنهض بلا رؤية وطنية واضحة وملزمة تترجم إلى خطط واقعية قابلة للتنفيذ، فالرؤية ليست شعارات ولا خطب منمّقة تلقى في المناسبات و اللقاءات أو الاجتماعات بل هي مشروع دولة متكامل يتشارك في صياغته الخبراء والمفكرون، وتتبناه المؤسسات، ويؤمن به الشعب.
لكن واقعنا اليوم مؤلم جدا تعدد في السياسات وتضارب في القرارات وتناقض بين ما تريده الحكومة الاتحادية وما تسعى إليه الولايات فهذا التشتت في التشريعات والسياسات أفقد السودان القدرة على توحيد جهوده واستثمار موارده بما يتناسب مع إمكاناته الهائلة.
إن السودان بحاجة ماسة إلى إصلاح تشريعي شامل، يعيد صياغة القوانين الاقتصادية والإدارية بما يتناسب مع طبيعة كل ولاية وإمكاناتها الإنتاجية، دون أن يفقد الدولة مركزيتها في التخطيط العام ،فالتنمية لا تتحقق بالتجزئة ولا بالقرارات الموسمية بل بوحدة الرؤية وتكامل الأدوار.
الحاجة إلى قيادة تؤمن بالمستقبل لا بالماضي:
لقد آن الأوان أن تعاد صياغة مفهوم القيادة في السودان إذ لم يعد يكفي أن يكون المسؤول صاحب خبرة أو ولاء بل يجب أن يكون صاحب رؤية وفكر وقدرة على التغيير،فالتاريخ علمنا أن الأمم لا تنهض بالوجوه التقليدية، بل بالقيادات المؤمنة بالتجديد، القادرة على اتخاذ القرار الصعب والمستعدة لتحمل المسؤولية أمام الوطن لا أمام الكراسي والمناصب.
الشباب السوداني اليوم هو وقود النهضة الحقيقي شباب يمتلك العلم والطاقة والانفتاح على العالم، لكنه يعيش الإقصاء والتهميش وينظر إليه كمجرد تابع لا كشريك في البناء، وهذا خطأ قاتل فالشباب ليسوا المستقبل فقط بل هم الحاضر الذي يجب الاستثمار فيه اليوم قبل الغد.
من التنظير إلى الفعل:
لقد سئم المواطن السوداني من التنظير و سئم الخطط الورقية التي لا تترجم على الأرض، والمشروعات التي تبدأ بالكاميرات وتنتهي بالنسيان فالوطن يحتاج اليوم إلى عقل عملي لا إلى مزيد من الشعارات يحتاج إلى تحويل الموارد إلى إنتاج والمعرفة إلى سياسة والطموح إلى مشروع.
إننا في لحظة فارقة من تاريخ السودان، إما أن نختار طريق الإصلاح الجاد المبني على التخطيط، أو نواصل الدوران في حلقة الفوضى والعشوائية فلا مجال للمجاملات السياسية ولا مكان لمن لا يؤمن بالوطن كأولوية مطلقة.
نداء من القلب:
أيها المسؤولون وصناع القرار، تخيروا بحكمة من يدير هذا البلد وامنحوا الثقة لمن يحمل في قلبه حب السودان لا حب المنصب، اجعلوا من الكفاءة معيارا ومن النزاهة طريقا ومن الشباب قوة دافعة نحو النهضة.
فالسودان يستحق الأفضل ويستحق أن ينهض على سواعد أبنائه المخلصين.
فلتلملموا جراحكم وتوحدوا رؤاكم، وابدؤوا من جديد.
( فالأوطان لا تموت ما دام فيها من يؤمن بها)


