تمهيد: مشهد متحرك وصراع على المسارات
بينما تتسارع المبادرات الإقليمية والدولية لإنهاء الحرب في السودان، تتكشف في المقابل تحركات موازية تحمل طابعًا اقتصاديًا وأمنيًا وإعلاميًا، توحي بأن معركة السودان لم تعد محصورة في الميدان العسكري وحده، بل تمددت إلى فضاءات الاقتصاد والتعدين والمنصات الرقمية والدبلوماسية الدولية. تزامن هذه التحركات يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة الصراع، ومن يعمل على تفكيك مسارات الحل ومن يستثمر في إطالة أمد الحرب.
جنوب كردفان… الاقتصاد يدخل خط النار
إعلان وصول ست عشرة شركة إلى ولاية جنوب كردفان، معظمها تعمل في مجال التعدين والخدمات المرتبطة به، لا يمكن فصله عن سياق الحرب الدائرة في الإقليم. فجنوب كردفان ليست مجرد ولاية غنية بالموارد، بل تمثل إحدى أهم مناطق النفوذ التقليدي للحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو.المتخالف مع قوات الدعم السريع ونائب المجلس الرئاسي في حكومة الدعم السريع استقدام شركات تعدين في هذا التوقيت يحمل رسالة سياسية بقدر ما هو قرار اقتصادي، مفادها أن الحكومة السودانية تسعى إلى نقل المواجهة من ساحة السلاح إلى ساحة الموارد، في ما يشبه حربًا اقتصادية تهدف إلى تجفيف مصادر التمويل وفرض واقع سيادي جديد على الأرض. هذا التحول يضع الحركة الشعبية أمام اختبار صعب، ويعيد رسم خطوط الصراع بعيدًا عن الشعارات الأيديولوجية إلى معادلات المصالح.
السودان السعودية ومصر وتركيا… عودة الشراكات الثقيلة
في السياق ذاته، يبرز الاتفاق المعلن بين السودان وتركيا كجزء من محاولة الخرطوم تنويع تحالفاتها الاستراتيجية، والبحث عن شركاء قادرين على تقديم دعم اقتصادي وأمني في مرحلة ما بعد الحرب. الاتفاق لا يقتصر على بعد ثنائي تقليدي، بل يعكس رغبة تركية في استعادة موطئ قدم مؤثر في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مقابل حاجة سودانية ماسّة إلى شركاء لا يضعون شروطًا سياسية قاسية كما تفعل بعض القوى الغربية.
المنصات الرقمية كساحة صراع جديدة
قرار منصة “إكس” حظر حساب علاء نقد، أحد أبرز الأصوات المرتبطة بالميلشيات، يكشف عن انتقال الصراع إلى المجال الرقمي. لم تعد المنصات الاجتماعية مجرد أدوات تعبير، بل تحولت إلى ساحات تعبئة وتضليل وحرب نفسية. هذا الحظر يبعث برسالة واضحة بأن الرواية الإعلامية للميلشيات تواجه تضييقًا متزايدًا، وأن الفضاء الرقمي لم يعد مفتوحًا بلا ضوابط أمام خطاب التحريض وتبرير العنف.
توافق سعودي–أمريكي… نافذة أمل أم معركة كسر عظم؟
الإعلان عن توافق سعودي–أمريكي لإنهاء حرب السودان يمثل تطورًا بالغ الأهمية، خاصة إذا ما أُخذ في الاعتبار التنسيق مع أطراف إقليمية فاعلة مثل مصر وتركيا. هذا التوافق يعكس إدراكًا دوليًا بأن استمرار الحرب بات يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي، من البحر الأحمر إلى الساحل الأفريقي. غير أن هذا المسار يواجه تحديات حقيقية، أبرزها وجود أطراف إقليمية لا ترى في السلام مصلحة مباشرة لها.
الإمارات… رؤية مختلفة أم تعطيل مقصود؟
في مقابل هذا التوافق، تبرز الرؤية الإماراتية التي طرحها أنور قرقاش، والتي تقدم مسارًا أحادي الخيار للحل. القراءة المتأنية لهذه الرؤية تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت الإمارات تسعى إلى حل حقيقي، أم إلى إعادة إنتاج نفوذها عبر بوابة سياسية جديدة. تضارب المسارات بين المبادرة السعودية الأمريكية من جهة، والرؤية الإماراتية من جهة أخرى، يعزز الشكوك حول وجود محاولات لإجهاض أي تسوية لا تضمن مصالح أبوظبي في السودان.
مجلس الأمن… عجز مزمن أمام مأساة متصاعدة
مناقشات مجلس الأمن حول تدهور الأوضاع في السودان، وسط تصاعد القتال والنزوح الواسع، في امكن انتشار الميلشيا تعكس مرة أخرى محدودية الفعل الدولي. بيانات القلق والإدانة لم تعد كافية في ظل كارثة إنسانية تتوسع يومًا بعد يوم. العجز الأممي يمنح الأطراف الإقليمية مساحة أوسع للمناورة، ويحوّل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة.
ليبيا وباكستان… تشابك الجبهات
صفقة التسليح الباكستانية مع خليفة حفتر في ليبيا تعيد خلط الأوراق في الإقليم، وتكشف عن شبكة تداخل معقدة بين أزمات ليبيا والسودان. تدفق السلاح وتبدل التحالفات لا يقف عند حدود دولة بعينها، بل يعزز حالة السيولة الأمنية التي تغذي استمرار الحرب في السودان، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. والعرض ليس حفتر لكن الدعم السريع عبر وكيلها الأمارات والتي تحميها أموال النفط الذهب من المسألة الدولية عن دماء أهل السودان.
خاتمة: السودان في قلب صراع الإرادات
ما يجري في السودان اليوم يتجاوز كونه حربًا داخلية، ليصبح ساحة اختبار لتوازنات إقليمية ودولية معقدة. بين مبادرات سلام تتعرض للتقويض، وحروب اقتصادية تُفتح في مناطق الهامش، وصراعات رواية على المنصات الرقمية، يقف السودان أمام مفترق طرق حاسم. نجاح المبادرة السعودية
الأمريكية مرهون بقدرتها على تحييد المصالح المعطلة، وفرض مسار جامع لا يسمح بتحويل السلام إلى ورقة في بازار النفوذ الإقليمي.
البريد الإلكتروني:
alzomzami.analysis@gmail.com


