الأجيال النخبوية الثلاثة بأفكارها وأحزابها وطوائفها وأساليبها وعائلاتها المقدسة ، والتي تحمَّل السودان أوزار فشلها المزمن منذ الاستقلال وحتى اليوم .. قد ماتت بالفعل، ولم يتبقّ سوى أن يتم تحرير شهادة وفاتها، والنُّخَب الشبابية المستقبلية التي على كاهلها ينبغي أن يستأنف السودان إعادة بنائه .. لم تتشكَّل بعد، وتكْمُن أزمتنا الوطنية في نخبة الزومبي الحالية التي تشغر الفراغ ما بين فناء القديم وانبثاق معالم الجديد.
إن أهم واجب ينبغي أن تضطلع به الأجيال الشابة في بلادنا هو إبراز القادة الشباب والدفع بهم لتسنُّم سُدَّة القيادة ، فالقيادة تلعب دوراً حاسماً في صناعة النُّخبة ، ويأتي دور القيادة مباشرةً بعد الفكرة ، والأفكار كالأسلحة كما يقول الوردي .. تتبدل بتبدل الأيام، والذي يريد أن يبقى على رأيه كمن يريد أن يحارب السلاح ناري بسلاح عنترة بن شداد والفكرة هي جوهر الرؤية وأساس المشروع الذي ينتخب النخبة ويجلو القيادة.
يأتي التسديد والمقاربة في إبراز القيادة والنُّخبة من أهل الشَّرَف الذين يمنعهم شرفهم عن الخيانة ، وأهل الكفاءة والاقتدار عن تجربة ، والقائد هو من يَصنعُ ويُبرزُ مزيداً من القادة لا الأتباع ، وهو من يجعل الناس يثقون بأنفسهم قبل أن يثقوا به ، والقافلة التي يقودها أعمى ترى في كلِّ منعطفٍ إنجازاً وفي كل خطوةٍ نجاةً ، ويكون بالتوفيق بين قوله تعالى *{قَالَ ٱجۡعَلۡنِی عَلَىٰ خَزَاۤئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّی حَفِیظٌ عَلِیمࣱ}* .. وبين المأثور عنه عليه الصلاة والسلام: *يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أُعطيتها عن غير مسألة أُعِنْتَ عليها ، وإن أُعطيتها عن مَسألة وُكِلْتَ إليها* ، وأنه عليه الصلاة والسلام قد أعطى الإمارة بعض من طلبها مثل عمرو بن العاص.
عند اختيار القائد يجب مراعاة أن الكمال لله وحده، وأن البشر في غالبهم لم يرضوْا عن الله جلَّ في عُلاه، ولم يرضوْا عن رُسُلِه عليهم الصلاة والسلام، ولن يرضوْا جميعهم عن شخصٍ مهما كان خليقاً بالقيادة وتوفر فيه من سماتها، وليست الشورى ولا الديمقراطية إجماعًا، وحسب الناس أن يتفقوا على معايير ضابطة، وأن يتوافقوا على نمطٍ مُلزمٍ لاختيار القيادة ومحاسبتها، والحذر كلُّ الحذر من الاستمرار في الاعتذار بانتظار الوقت المناسب، فإن كلمة سوف هي مكيدة إبليس التي أهلك ويُهلِك بها الكثيرين، وإذا عزمتم فتوكَّلوا على الله ثم لا يكن أمرُكُم عليكم غُمَّة واتقوا شُحَّ نفوسكم وأحسنوا الظنَّ بأنفسكم وإخوانكم.
من حكمة الله أن العناصر الثقيلة لا تتشكَّل إلا على حواف جحيم الثقوب السوداء ، والانفجارات الناجمة عن اصطدام النجوم النيوترونية ببعضها ، فتؤدي بدورها في نهاية المطاف إلى التحام الذرات والجسيمات مُشكِّلةً المعادن الثقيلة ، وكذلك هي معادن البشر ، وأجيال المستقبل في السودان هي بين ظهرانينا اليوم ، وقد استولدتها الحروب وعركتها المعارك وشكَّلتها ظروفٌ عصيبةٌ لم تُكابدها أجيال الأمس ، فحريٌّ بكم يا أجيال اليوم والغد أن تثقوا بأنفسكم ، وتنفضوا عنكم طوق الاستتباع فتمضوا بعزمٍ شديد لما أنتم أهله من الريادة ، وبلادكم قد طال بها الانتظار لفجرٍ جديد تتطهَّر فيه من المراوحة بين حالي الاتِّضاع والاستعلاء ، والباطل قد نثر لكم ما في كنانته من قادته ونُخبته الذين تعلمون وهم لا ينتظرون أن تُخرجوا إليهم نظراءهم الذين يفوقونهم شرفاً وكفاءةً، ولا يسُرُّهم أكثر من الاستمرار في منازلة من خبروا فشلهم وترددهم وقلة حيلتهم، ولا والله لن تتنازل لكم الأجيال السابقة طوْعاً إلا بعد أن يزوروا المقابر وهم الذين ما أبرزوا أنفسهم للريادة والقيادة إلا بالغلبة والمغالبة.
٢٥ يوليو ٢٠٢٥م

