يواجه العقل السياسي العربي والسوداني اليوم واحدة من أعقد معضلاته التاريخية: المفاضلة بين “الدولة” ككيان أمني وسيادي، وبين “الثورة” كفعل تحرري يطمح للعدالة. وفي ظل استعار الحروب وتحلل مؤسسات ما بعد ثورات الربيع العربي، انقسمت الرؤى بين تيارٍ يرى في “الاستبداد ذو المشروع” ملاذاً لحفظ السيادة، وتيارٍ يرى في “الثورة” قدراً لا بد منه وإن كان ثمنه الفوضى، وتيارٍ ثالث يلقي باللائمة على “النخب” وعجزها الإداري.
إلا أن التدقيق في تفاصيل الأزمة السودانية، بوصفها نموذجاً مختبرياً، يكشف لنا عن “منطقة رمادية” تم إغفالها في السجالات الدائرة؛ وهي أن السيادة ليست “جداراً عسكرياً” يُبنى، بل هي “عقدٌ اجتماعي” يُعاش.
خرافة “المستبد التنموي” وسقوط الرهان
يطرح البعض فرضية “الديكتاتورية ذات المشروع” (النموذج الإيراني أو الآسيوي) كبديلٍ للاستبداد “الخاوي” (نموذج الإنقاذ في عشريته الأخيرة). والحقيقة أن هذه المفاضلة تنطوي على خلل بنيوي؛ فالسيادة الوطنية في النظم الاستبدادية ليست سيادة “شعب”، بل هي “سيادة سلطة”.
إن النظام الذي يفتقر للمشروعية الشعبية يضطر حتماً لـ “خصخصة العنف” عبر إنشاء مليشيات موازية للجيش الوطني لضمان بقائه. وهنا تكمن المفارقة: فالأداة التي يصنعها المستبد لحماية سيادته (المليشيا) هي ذاتها الأداة التي تبتلع السيادة في النهاية. إن ما نشهده اليوم من صراع ليس “تمرداً” طرأ على دولة مستقرة، بل هو النتيجة المنطقية لتآكل “احتكار الدولة للعنف” الذي بدأه النظام المستبد نفسه حين رهن قراره الأمني للمليشيا وللمحاور الإقليمية.
النخب.. ضحية “التجريف” لا “الجهل”
من السهل اتهام النخب السياسية بالقصور، أو رمي الكرة في ملعب “الثقافة السياسية للشعب”. لكن هذا الطرح يغفل أن “السياسة” في ظل الأنظمة الشمولية ليست ممارسة، بل هي “ممنوعات”. إن العجز الذي ظهرت به القوى المدنية بعد الثورة ليس دليلاً على فشل الفكرة الثورية، بل هو دليل على نجاح الاستبداد في “تجريف” المجال العام وتدمير مؤسسات الوساطة (النقابات، الأحزاب، الاتحادات).
لقد أثبتت التجربة السودانية أن “الشرعية الثورية” لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن “الشرعية المؤسسية”، لكن المسؤول عن هذا الفراغ ليس الثائر الذي خرج في الشارع، بل هو النظام الذي حول الدولة إلى “ضيعة خاصة” تُدار بالولاءات لا بالقواعد، وبالسلاح لا بالسياسات الاقتصادية.
السيادة هي “القرار الوطني المستقل”
إن أخطر ما يواجه الدول في لحظات التحول هو “تدويل الأزمة”. فعندما تعجز النخب عن إدارة خلافاتها ضمن “عقد اجتماعي” وطني، فإنها تفتح الباب للتدخلات الخارجية التي لا تتحرك وفق مبادئ الإنسانية، بل وفق موازين المصالح. وهنا يتحول الوطن من “دولة” إلى “ساحة”، وتتحول السيادة إلى “عملة” للمساومة بين الفاعلين الدوليين.
إن السيادة الحقيقية لا تحميها صفقات السلاح أو التوازنات الإقليمية، بل يحميها شعور المواطن بأنه “شريك” في الدولة، وليس مجرد “رعية” في مشروع أحد. السيادة تبدأ من رغيف الخبز، وتمر عبر صندوق الاقتراع، وتنتهي بجيش وطني مهني يحتكر العنف تحت رقابة القانون.
خاتمة: نحو عقد جديد
إن المخرج من هذه الدائرة المفرغة لا يكون بالندم على الثورات، ولا بالاستكانة لوهم “المستبد القوي”، بل بشجاعة الاعتراف بأن “الدولة القديمة” قد انتهت صلاحيتها البنيوية. نحن بحاجة إلى الانتقال من “سياسة الخصومة الصفرية” إلى “سياسة البناء المؤسسي”.
إن التاريخ لن يرحم النخب التي تفرغت لتخوين بعضها وسط أنقاض الوطن، ولن يرحم المنظرين الذين حاولوا تجميل وجه القمع تحت مسميات “السيادة”. السيادة هي المواطن، أو لا سيادة على الإطلاق.
محمد الخاتم تميم
#السيادة_الوطنية #العقد_الاجتماعي #أزمة_النخب #فلسفة_الحكم #الدولة_المدنية #التحول_الديمقراطي


