تمهيد:
من أخلاق الفرد إلى فقه الدولة
لم يكن الإمام علي بن أبي طالب مجرد واعظ أخلاقي أو نموذج شخصي للعدالة، بل كان رجل دولة أدرك مبكرًا أن أخطر ما يواجه المجتمعات في لحظات التحول والفتنة هو تفكيك العلاقة بين العدالة والشرعية؛ فحين ترفع العدالة شعارًا خارج الدولة أو تمارس بلا إطار سيادي تتحول من قيمة ضامنة للحق إلى أداة فوضى وصراع.
إن القراءة الأخلاقية المجردة لتجربة الإمام علي رغم جلالها حجبت بعدا مركزيا في فقهه السياسي فقه الحفاظ على الدولة بوصفها شرط العدالة لا عائقها
أولا السيادة في فقه الإمام علي الدولة قبل الشعار:-
___________________
لم يستخدم الإمام علي مصطلح (السيادة) بالمعنى القانوني الحديث لكنه مارسها عمليًا بوصفها:-
احتكارا مشروعًا للقوة،
حصرية القضاء،
وحدة القرار السياسي
مرجعية واحدة للشرعية.
وقد عبّر عن ذلك بوضوح حين رفض أن تدار العدالة خارج مؤسسات الدولة حتى في قضية بحجم مقتل خليفة المسلمين عثمان بن عفان
فقوله ( أنا أولى بمحاكمتهم ) ليس ادعاء شخصيًا، بل إعلانًا مبدئيًا بأن القضاء لا يُمارس إلا من داخل الدولة الشرعية.
في هذا السياق تصبح السيادة ليست امتيازا للحاكم، بل حماية للمجتمع من تحول الحق إلى ذريعة للانقسام.
ثانيا الشرعية عند الإمام علي بين البيعة ووظيفة الدولة :-
____________________
الشرعية في فقه الإمام علي ليست تفويضا مطلقًا ولا مجرد إجراء شكلي بل هي:-
قبول عام،
قدرة على الحكم،
التزام بحفظ الجماعة
أهلية لإقامة العدل.
ولذلك رفض الإمام علي أي مسارٍ قضائي يدار في ظل نزاع على أصل السلطة لأن العدالة حين تنتزع من الشرعية تفقد معناها القانوني وتتحول إلى انتقام سياسي
إن هذا الوعي يضع الإمام علي في مصاف المفكرين المؤسسين لفكرة الدولة القانونية قبل قرون من نشوء الدولة الحديثة
ثالثا العدالة في زمن الفتنة فقه تأجيل لا فقه تعطيل :-
____________________
من أكثر مقولات الإمام علي إساءة للفهم قوله:-
(لا يُقضى بالعدل في الفتنة)
وهذه العبارة لا تعني تعطيل العدالة بل تعني أن الفتنة تُفسد شروط العدالة
فالعدالة تحتاج إلى:-
قضاء مستقل،
سلطة نافذة،
أمن عام
وحدة مرجعية.
وفي غياب هذه الشروط يصبح الإصرار على عدالة فورية نوعا من العنف المقنّع لا تحقيقا للحق. وهنا يبرز الفرق الجوهري بين العدالة المؤجلة حماية للدولة والعدالة المؤدلجة التي تعجّل بانهيارها.
رابعًا: من فقه الإمام علي إلى القانون الدولي المعاصر :-
_____________________
هل يتعارض فقه السيادة مع مبدأ الحماية من أجل المسؤولية (R2P)؟
ينص مبدأ Responsibility to Protect (R2P) على أن السيادة لم تعد حصانة مطلقة بل مسؤولية وأن المجتمع الدولي قد يتدخل إذا فشلت الدولة في حماية مواطنيها من الإبادة أو الجرائم الكبرى
ظاهريا يبدو هذا المبدأ متعارضا مع فقه الإمام علي القائم على صيانة السيادة لكن القراءة المتأنية تكشف عن مساحة توفيق دقيقة:-
أ. السيادة عند الإمام علي مسؤولية لا امتياز:-
_________________
الإمام علي لم يرَ السيادة حقا مطلقًا للحاكم، بل تكليفًا بحماية الجماعة،
وحين تعجز الدولة أو تتخلى عن هذا الدور فإنها تُفرغ السيادة من مضمونها الأخلاقي.
ب. التحفظ الجوهري من يحدد الفشل؟
هنا يظهر الفرق الحاسم
________________
في فقه الإمام علي محاسبة السلطة تتم من داخل الأمة
في R2P تناط المسؤولية بقوى دولية قد تكون طرفا في الصراع
وهذا ما يجعل الإمام علي يحذّر لو كان حاضرا من تسييس مبدأ الحماية وتحويله إلى أداة هيمنة لا إنقاذ
خامسا التوفيق الممكن سيادة مسؤولة لا وصاية دولية:-
_________________
يمكن التوفيق بين فقه الإمام علي ومبدأ R2P عبر ثلاثة ضوابط فكرية: –
1 . أولوية الإصلاح الداخلي
التدخل الخارجي لا يكون إلا بعد استنفاد كل آليات الإصلاح الوطني
2 . منع الاحتكار السياسي للعدالة الدولية
فالعدالة حين تدار من قوى كبرى تفقد حيادها كما حذّر الإمام علي من العدالة المُسيسة.
ج. تعزيز الدولة لا استبدالها
أي تدخل يجب أن يهدف إلى إعادة بناء السيادة لا إزاحتها.
بهذا المعنى يصبح فقه الإمام علي إطارًا نقديًا أخلاقيًا يعيد ضبط مفهوم R2P لا رفضه جملة ولا قبوله بلا شروط.
خاتمة
الإمام علي فقيه الدولة في زمن انهيار الدول:-
_________________
إن قراءة فقه الإمام علي اليوم ليست تمرينًا تاريخيًا بل ضرورة فكرية في عالم تتآكل فيه السيادة باسم العدالة وتُدمّر الدول باسم الحماية.
لقد أدرك الإمام علي أن:-
أ . العدالة بلا دولة فوضى
ب . والسيادة بلا عدالة طغيان
ح . وأن التوازن بينهما هو جوهر الشرعية
وفي زمن تستدعى فيه القيم الكبرى خارج أطرها المؤسسية يقدم لنا الإمام علي نموذجًا نادرًا
(دولة تؤجّل العدالة لتمنع انهيارها وتحمي السيادة لتجعل العدالة ممكنة)
orfaly6666@gmail.com
