أصدر مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات دراسة علمية متكاملة تناولت الاتهامات التي وُجهت للحكومة السودانية باستخدام أسلحة كيماوية خلال الحرب الأخيرة. وجاءت هذه الدراسة في لحظة فارقة، حيث تختلط الوقائع بالشائعات، وتتنازع الروايات على فضاء عام متعب من طول الصراع وثقل الدماء.
لم تكن الدراسة مجرد رصد للتصريحات أو جمع للاتهامات، بل جاءت كرحلة استقصائية هادئة، تشبه الغوص في مياه متلاطمة، تبحث عن الحقيقة وسط أمواج من التوظيف السياسي والدعائي. لقد اتخذت الدراسة من الدقة منهجًا، ومن الحياد أفقًا، محاولة أن تُنصت إلى ما وراء الضجيج وأن ترى ما خلف دخان المعارك.
ضباب كثيف… وبحث عن نار الحقيقة
منذ اللحظة الأولى، تُشير الدراسة إلى أن الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيماوية لم تكن حدثًا جديدًا في الساحة السودانية. فالسودان ،كما تقول، يحمل في ذاكرته السياسية «ندبة» قديمة منذ قصف مصنع الشفاء عام 1998، حين اتُّهم بإنتاج غاز الأعصاب دون إثبات قاطع…تلك الندبة لم تندمل، بل عادت لتفتح جرحًا آخر خلال حرب دارفور عام 2016، حين تحدثت تقارير دولية عن استخدام مواد سامة ضد المدنيين، ثم خبا الملف دون أن يجد طريقه إلى مختبر محايد… وحين اندلعت الحرب الأخيرة، تسارعت الاتهامات كأنها تعود من سبات طويل. تصريحات، صور مشوشة، فيديوهات تُنشر بلا تحقق وأصوات سياسية تتقاطع، بعضها يرمي التهمة وبعضها يلتقطها ليصنع منها رواية كاملة.
لكن وسط هذا الضجيج، تضع الدراسة سؤالها الجوهري: أين الدليل؟وتجيب: لا دليل قاطع حتى الآن، لا عينات، لا تقارير مخبرية، ولا بعثات فنية محايدة.كل ما هو موجود… دخان بلا نار مؤكدة.
حين تصبح الكيمياء سياسة
تتبع الدراسة خيوط الاتهامات، فتكتشف أنها لا تتحرك بمعزل عن الرياح السياسية. فالقوى الدولية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تعاملت مع الملف باعتباره «ورقة ضغط» تُستخدم متى ما احتاج الأمر إلى فرض العقوبات أو إعادة توجيه الدبلوماسية.
التقارير الإعلامية، بدورها، لعبت دورًا مضخمًا؛ فبين كل صورة غائمة وفيديو متاهٍ، تُصنع قصة تُبنى عليها مواقف وبيانات. وفي عالم السياسة، أحيانًا يكفي أن تُطلق الشبهة لتُصبح حقيقة في أذهان البعض.
وتشير الدراسة إلى أن أطراف الصراع في الداخل أيضًا وجدت في الاتهامات مادة خصبة.
فالجيش يرى فيها محاولة لشيطنته دوليًا، والدعم السريع يلوّح بها لتبرير تحركه السياسي والعسكري بينما قوى المعارضة تنظر إليها كمدخل لإعادة ترتيب المشهد، وهكذا يتحول السلاح الكيماوي – حتى لو لم يُستخدم – إلى سلاح سياسي كامل الفاعلية.
دروس العالم… ومرآة السودان
لم تكتفِ الدراسة برصد الاتهامات، بل وضعت السودان في سياق عالمي، مستعرضة نماذج مثل سوريا، والعراق، وليبيا و روسيا. وتخلص إلى أن الاتهامات في تلك الدول غالبًا ما كانت مقدمة لأحداث جسام: عقوبات، تدخلات، حروب أهليّة، أو حتى تغيير أنظمة. وتقول الدراسة:(الكيماوي ليس مجرد مادة محرّمة… بل أداة جيوسياسية تُستخدم في اللحظات الحاسمة.)
سيناريوهات ثلاثة… ومصير واحد لم يُكتب بعد
ترسم الدراسة ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الملف:
1. سيناريو الانفراج
حيث يسمح السودان بفتح أبواب التحقيقات الدولية، وتُثبت النتائج غياب الاستخدام، فيطيح ذلك بغبار الاتهامات.
2. السيناريو المظلم
أن يظهر دليل قاطع، وهنا ستتجه البلاد نحو عقوبات خانقة، وتدويل واسع للصراع، وربما تهديد مباشر لاستقرار الدولة.
3. السيناريو الأكثر ترجيحًا
استمرار الاتهامات دون حسم، لتبقى في دائرة «الضغط السياسي»، تستخدمها الأطراف كلما ضاق عليها المسار أو احتاجت إلى تعزيز موقفها. وترى الدراسة أن هذا السيناريو الأخير هو الأقرب، نظرًا لغياب الأدلة الحاسمة ولطبيعة الصراع السوداني وتشابك المصالح الدولية حوله.
ينتهي التقرير عند نقطة تجمع بين الحكمة والقلق فالسودان ،الغارق في حربه، لا يحتاج إلى مزيد من الأرواح ولا مزيد من الشظايا، سواء كانت شظايا قذائف… أو شظايا اتهامات…إن أخطر ما في الأسلحة الكيماوية ليس استخدامها فقط، بل استخدام اسمها. اسم يحمل ثقله في ذاكرة العالم، ويكفي أن يُذكر حتى ترتجف السياسة وتشتعل الدبلوماسية.
ومع غياب الدليل وبقاء الشبهة، يجد السودان نفسه يسير في ممر ضيق، تحفّه المخاطر من كل جانب. ممر لا نهاية واضحة له، لكنه يحتاج إلى بوصلة truth وإلى صوت عاقل يطفئ الدخان قبل أن يتحول – ظلمًا أو حقيقة – إلى نار.


