انتشر بالأمس خبر عن الاتفاق الثلاثي بين السودان و تركيا و الصين على اتفاقيات اقتصادية حيث يعد التوقيع واحد من أكثر الاتفاقيات جرأة في تاريخ التعاون الدولي المعاصر ما سميت باتفاقية المثلث الذهبي التي تمزج بين الموارد الأولية الهائلة للسودان والقوة التكنولوجية و التمويلية للصين والقدرات الصناعية واللوجستية لتركيا، تحت رؤية كبرى عنوانها (بناء قاطرة العالم الجديد).
هذا المشروع رغم طابعه الاقتصادي المعلن يحمل في داخله طبقات مركبة من الأبعاد السياسية والأمنية والاجتماعية، إضافة إلى تحديات واقعية تتطلب تفكيرا استراتيجيا متعمقة و متقدما لضمان نجاحه حيث نحاول في هذا المقال إعطاء قراءات تحليلية تشخيصية للاتفاق بمختلف أبعاده أدناه
أولًا: الأبعاد الاقتصادية… السودان مركز ثِقل جديد في التجارة الدولية:
1. ثورة القيمة المضافة: من مورد خام إلى مصنع عالمي ، حيث يمثل تحويل 80% من صادرات السودان من خام إلى صناعات تحويلية خلال عقد واحد تحولا تاريخيا في بنية الاقتصاد السوداني ويرتكز هذا التحول على ثلاث ركائز:
– التكنولوجيا الصينية في الاستشعار والطائرات المسيرة لزيادة الإنتاج وتقليل الفاقد.
– الصناعة التركية التي تمتلك خبرة عميقة في الصناعات الغذائية والنسيجية والجلود.
– الموارد السودانية الضخمة غير المستغلة خاصة في الزراعة والثروة الحيوانية.
2. الأثر المتوقع اقتصاديا:
– زيادة الناتج المحلي بنسبة قد تتجاوز 6–8% سنويا حال تطبيق الخطة بكفاءة.
– انتقال الصادرات من متذبذبة وعالية المخاطر إلى صادرات مستقرة عالية القيمة.
– تحرير الاقتصاد من الاعتماد على الذهب والصادرات الخام.
3. خارطة طريق الحرير: تموضع جغرافي استراتيجي: جعل السودان محورا رئيسيا لمبادرة الحزام والطريق يمنح السودان موقعا فاعلا في سلاسل الإمداد العالمية، وبناء الطرق السريعة والربط الإقليمي بتسعة دول جوار سيحول السودان إلى مركز عبور وتجارة الترانزيت وهو ما يعزز:
– تدفق التجارة بين آسيا وأفريقيا.
– جذب الاستثمارات الصناعية.
– توفير طبقة جديدة من الخدمات اللوجستية ذات أرباح عالية.
4. منطقة مالية ثلاثية… نحو مركز تسوية آسيوي أفريقي من خلال إنشاء منطقة حرة مالية في الخرطوم يفتح الباب أمام الاقتصاد السوداني:
– نظام مدفوعات بديل للدولار.
– جذب رؤوس الأموال من القطاع الخاص الصيني والتركي.
– إنشاء بورصة سلع ومحاور تجارة إقليمية.
ثانيًا: الأبعاد السياسية… توازنات معقدة في بيئة مضطربة نسبيا:
1. الصين: ترسيخ النفوذ الاقتصادي القائم على مبدأ القوة الهادئة، بوجود الصين نعتقد بأن يسعى السودان للدخول في محور دولي يركز على التنمية بدلا من الشروط السياسية، وهذا يمنح الدولة:
– قوة تفاوضية أكبر أمام المؤسسات الدولية.
– فرصة للخروج من العزلة السياسية و الاقتصادية معًا.
ولكن في المقابل يتوقع:
– زيادة حساسية الغرب تجاه النفوذ الصيني و تواجده في البحر الأحمر.
– ارتفاع درجة التنافس الجيوسياسي على بورتسودان.
2. تركيا: امتداد صناعي لوجستي نحو أفريقيا ، فتركيا تبحث عن:
– مد نفوذ صناعي في أفريقيا و البوابة هي السودان .
– تعزيز وجودها في البحر الأحمر.
– فتح أسواق جديدة لصناعاتها.
هذا يجعل السودان ساحة مهمة في معادلة التوازن التركي ، السعودي ، الإثيوبي في المنطقة.
3. السودان لديه فرصة لترتيب البيت السياسي من خلال هذا الاتفاق الذي قد يمنح الحكومة السودانية:
– مظلة سياسية خارجية داعمة.
– ورقة قوة أمام الأطراف الداخلية.
– منصة لإعادة تعريف أولويات الدولة بعد الحرب.
ولكن نجاحه مرهون بالآتي:
– استقرار سياسي عام .
– قدرة الدولة على إدارة شراكات متعددة المصالح دون أي ارتهان و مساس بالسيادة الوطنية.
ثالثًا: الأبعاد الأمنية… البحر الأحمر في قلب الحسابات:
1. أمن الممرات البحرية: تعميق ميناء بورتسودان ورفع تصنيفه الدولي يجعل السودان جزءا أساسيا من معادلة الأمن البحري في البحر الأحمر وهي منطقة شديدة الحساسية تشهد تنافسا بين(أمريكا، الصين، تركيا، الإمارات والسعودية ، إسرائيل و إيران)
2. مخاطر الأمن الداخلي: حيث يمكن القول في هذه النقطة أن شبكات الطرق العابرة للدول تحتاج:
– السيطرة الكاملة للدولة على الأراضي.
– استقرار مناطق الحروب و النزاعات المحلية.
– ضبط الحدود مع تسع دول ذات تحديات أمنية.
بدون معالجة هذه الملفات قد يتهدد المشروع من أساسه.
3. أمن الغذاء والطاقة: مشروع الطاقة المتجددة وتوطين الصناعات الغذائية يسهم في:
– تقليل الاعتماد على الاستيراد.
– رفع جاهزية الأمن الغذائي.
لكن يحتاج لحماية الدولة من:
– الهجمات المسلحة.
– التخريب الاقتصادي.
– الضغوط السياسية الدولية.
رابعًا: الأبعاد الاجتماعية… مجتمع اقتصادي جديد
1. فرص العمل وتغيير السلوك الاقتصادي وذلك بإنشاء مجمعات زراعية وصناعية ومراكز تدريب يعني:
– توفير عشرات الآلاف من الوظائف.
– صعود طبقة وسطى جديدة مرتبطة بسلاسل القيمة.
– نقل المجتمع من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج.
2. العدالة التوزيعية عبر نموذج من المزرعة إلى السوق فهذا النموذج يدعم، صغار المنتجين و المجتمعات الريفية مما يحسن الدخل في المناطق الريفية.
3. مخاوف التغيير الاجتماعي السريع ،قد تظهر تحديات مثل:
– التوطين السكاني حول المجمعات الصناعية.
– الضغط على الخدمات الأساسية.
– التفاوت بين المناطق المستفيدة وغير المستفيدة.
خامسًا: التحديات المحورية
1. تحديات الحوكمة والشفافية حيث الاستثمارات الكبرى تحتاج:
– قوانين واضحة.
– بيئة أعمال مستقرة.
– محاربة الفساد.
2. تحديات التمويل بالرغم من التمويل الصيني التركي يحتاج السودان إلى:
– إصلاح الجهاز المصرفي.
– جذب القطاع الخاص المحلي.
– ضمانات سيادية محسوبة.
3. تحديات البنية الأمنية والسياسية، فغياب الاستقرار قد يربك حركة التجارة، وتدفق الاستثمارات التأخر في تنفيذ المشاريع العملاقة.
سادسا: حلول استراتيجية لضمان نجاح المثلث الذهبي
1. إنشاء وحدة مركزية لإدارة المشروع نعمل على:
– توحيد القرارات و تنسيق المصالح بين الأطراف الثلاثة و وضع معيار موحد لجودة التنفيذ.
2. تطبيق نموذج المناطق الاقتصادية الخاصة من خلال إعفاءات و بنية تحتية و قوانين مرنة… إلخ، كل هذا سيجذب شركات عالمية لا فقط الصينية والتركية.
3. الاهتمام أكثر وتوسيع العمل في الأمن الاقتصادي بالتركيز على حماية الاستثمار والبنية التحتية و مراقبة سلاسل الإمداد ومكافحة الفساد.
4. إطلاق برنامج وطني للمهارات يعمل على تخريج 50 ألف شاب وشابه خلال 3 سنوات في تخصصات (اللوجستيات ، التصنيع الغذائي ، الطاقة المتجددة، التقنية الزراعية).
5. إستراتيجية تواصل دبلوماسي متوازنة لطمأنة القوى الإقليمية والدولية بأن المثلث الذهبي هو مشروع تنمية يفتح التعاون للجميع.
ويمكن نلخص القول في ختام هذا المقال أن المثلث الذهبي يمثل الحلم الكبير وسباق المصالح ،حيث الاتفاق الثلاثي ليس مشروعا اقتصاديا فحسب هو إعادة صياغة للواقع الجيوسياسي والاقتصادي للسودان.
إنه يضع البلاد في قلب معركة النفوذ الدولي بين الشرق والغرب و لكنه في الوقت نفسه يمنح السودان فرصة تاريخية للانتقال من دولة منهكة بالحرب إلى دولة محورية في التجارة العالمية.
ومع أن الطريق محفوف بالتحديات إلا أن للإدارة الحكيمة و الإرادة السياسية والحوكمة الصارمة وإطلاق مشروعات القيمة المضافة يمكن أن تجعل المثلث الذهبي ليس مجرد اتفاق، إنما بداية نهضة اقتصادية تحركها المصالح وتدار بالعقل وتبنى على الشراكات لا التبعية و الهمجية.
علينا أن ندرسه جيدًا و نتخذ القرارات الصائبة.

