عندما حملتني درجة الدكتوراه قسرًا إلى منصة التدريس الجامعي، ظننت في بادئ الأمر أن مهنة التعليم مهنة سهلة، فيها شيء من حظ النفس وإظهار “العضلات” المعرفية، بل واعتقدت أنها مجرد White Collar Job – وظيفة مكتبية أنيقة. وزاد من هذا التصور أنها تمنح حاملها وضعًا اجتماعيًا مميزًا.
لكن التجربة العملية سرعان ما بدّدت تلك الظنون. بدأت أستاذًا لعلوم الإدارة والتنمية مع بعض الكورسات المساندة في كلية (رويال) بحي الرياض – السودان، حيث كان معظم طلابها من دولة جنوب السودان ودول الجوار الأفريقي، وكانت لغة التدريس الإنجليزية. وفي فترة وجيزة اتسعت التجربة لتشمل ثلاث كليات أخرى، وهنا وجدت نفسي أمام الحقيقة:
إنها المهنة الأصعب والأشرف والأمتع في آن واحد.
مهنة لا تقوم على إظهار العضلات، بل على قهر الجهل، وبذر بذور المعرفة وصناعة الأجيال.
لقد أدركت أن التعليم ليس وظيفة، بل رسالة تستنزف من العمر والجهد، لكنها تعطي من المعنى والقيمة ما يجعلها أرقى المهن على الإطلاق. فالمعلم يواجه التحدي الأكبر: أن يُشعل النور في عقول الآخرين، ويزرع الأمل في قلوبهم، ويُعدّهم لمستقبل لا يعرف التوقف عن التغيير.
ومع ثورة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال محوري:
هل سيغيب دور المعلم أمام سطوة التقنية؟
أم أن التقنية ستضاعف عبئه بضرورة المواكبة والتطور؟
الإجابة التي يفرضها المنطق والتجربة أن المعلم سيبقى حجر الزاوية، بل سيزداد العبء عليه. فالتقنية يمكن أن تعطي المعرفة، لكن وحده المعلم هو من يحوّل المعرفة إلى قيمة، وسلوك، ورسالة حياة. هو من يعلّم الطلاب كيف يختارون، كيف يوازنون، وكيف ينقدون.
إن المستقبل الزاهر للأجيال يتوقف على معلم يواكب هذا التطور التقني، لكنه لا يتنازل عن رسالته الإنسانية. فالتعليم ليس مجرد نقل معلومات، بل هو بناء إنسان قادر على مواجهة التعقيد، وعلى تحويل التحديات إلى فرص.
لهذا، أجد لزامًا أن أحيي كل معلم ومدرس، في كل المراحل، ممن حمل على عاتقه قهر الجهل، وصنع الأجيال، في زمن باتت فيه المهنة أصعب، ورسالتها أعظم وحلاوتها أعمق.
