من أعظم المشاهد التي لاحظها المراقبون …الثبات الانفعالي لِلُحمة القوات المسلحة السودانية، إذ أن مفاجأة الدعم السريع للجيش بهذه الحرب كان فيه شئ من سوء تقدير للقيادة العسكرية، حيث لايمكن الا يلقى بالٌ للتقارير العسكرية التي اشارت الى نوايا الدعم السريع واطماعه… عسكريةً كانت او سياسية سيادية …و لكن و بعد اندلاع الحرب و رغم تناقض القوتين من حيث جاهزية العدة و العدد و العتاد …إلا أنه و رغم مرور زمن طويل من الحرب فقد حافظ الجيش السوداني على معظم مقراته الإستراتيجية في العاصمة مثلًا من غير أن يسلمها للدعم السريع باحتلالها …و لنكُن منصفين، فإن الجيش السوداني بعد استعادته لمعظم ما فقده من سيطرةٍ من الدعم السريع برزت ملاحظةٌ كيف استطاع الجيش السوداني المحافظة على معظم مقراته المهمة مثل قيادة المهندسين و السلاح الطبي و المدرعات و قيادة منطقة الشجرة العسكرية و القيادة العامة و غيرها و ما هي أهم الملاحظات التي يمكن تسجيلها في ذلك.
هناك عدة ملاحظات مهمة يمكن تسجيلها حول محافظة الجيش السوداني على معظم مقراته خلال فترة الحرب رغم الحصار…و هي نقاط نرى أنها تشكل تميزاً في صالح الجيش السوداني …مما يعضد تقديره جيشاً مرتبا و منظماً و مؤهلًا لإدارة الحرب عسكريًا بكفاءة نادرة…. ومن ذلك:
أولاً: الصمود و القدرة على التحمل و يشير هذا إلى قدرة الجيش على الصمود في وجه الضغوط و الحصار العسكري وتوالي هجمات الدعم لفترة طويلة، مما يعكس مستوىً من التنظيم والانضباط والروح المعنوية داخل صفوفه… وقد ظهر ذلك في احتمال معظم مقرات الجيش للهجمات المتوالية من قوات الدعم السريع و فشلها.
ثانيًا: السواتر الدفاعية و الخنادق المحصنة، في ذلك دلالة واضحة للمراقب أن المقرات العسكرية كانت محصنة بشكل جيد أو أنها تقع في مواقع إستراتيجية يصعب اختراقها أو السيطرة عليها جميعها بشكل كامل، و أن الجيش قد استعاد ثباته رغم فجاءة نشوب الحرب و استطاع أن يهيئ دفاعاته بما يقويها حسب المتاح من عدة و عتاد.
ثالثًا: وجود خطوط الإمداد البديلة و التي ربما تمكن الجيش من الحفاظ عليها كخطوط إمداد بديلة أو داخلية سمحت له بمواصلة العمليات ودعم المقرات المحاصرة جزئياً، و قد ظهرت للعلن مكافاة لذلك العمليات الفدائية التي قام بها بعض افراد القوات المسلحة لايصال إمدادات لبعض هذه المقرات مثل قافلة السلاح الطبي لكسر الحصار.
رابعًا: أهمية المقرات الاستراتيجية، و يعكس الحفاظ على هذه المقرات، الأهمية الإستراتيجية الكبيرة التي تمثلها في قيادة العمليات العسكرية و السيطرة على مناطق نفوذ الجيش، كما أنه كلما حافظ عليها الجيش كان ذلك دافعا لمزيد الصمود من القوة المحاصرة آنذاك، مما أفشل الحصار الكامل و هذا يشير إلى أن الحصار الذي فرض على هذه المقرات لم يكن كاملاً، و أن الجيش استطاع أن يطوع ما بين يديه للمحافظة على هذه المقرات رغم الكم الهجومي العنيف عليها.
خامساً: توزيع القوات و المعسكرات، اعتمد الجيش على توزيع قواته بشكل إستراتيجي بحيث يصعب إخضاع جميع مقراته في وقت واحد، و قد أثر ذلك في تجزئة القوات المهاجمة بحيث أنها لا تستطيع أن تتجمع كلها في كل العاصمة للهجوم على معسكر واحد. ثم أن توزيع هذه المعسكرات جعل منها بدائل تعمل في حال سقوط أحدها ليكون بديلًا عن الآخر.
سادسًا: الدعم اللوجستي استطاع الجيش أن يوفر دعمًا لوجستياً معقولا على حسب سير المعارك مما يشير إلى قدرة الجيش على توفير الدعم اللوجستي الأساسي (مثل الذخيرة و الغذاء و الدواء) لقواته المحاصرة لفترات طويلة بشكل عام، مما جعل الجيش ينوع في طرقه للإمداد.
سابعًا: صمود هذه المقرات، رفع الروح المعنوية للقوات المسلحة عمومًا و كلما فشل هجوم على معسكر أو مقر كان ذلك دافعا لغيره من المقرات للصمود حتى يفك الحصار و قد كان.
هذه الملاحظات تسلط الضوء على جوانب مهمة في قدرة الجيش السوداني على الصمود و الحفاظ على هيكله القيادي و العملياتي رغم التحديات الكبيرة التي واجهها خلال فترة الحرب، مما جعله محلًا لنظر كثير من المراقبين و المحللين.

