Popular Now

وجه الحقيقة | عود لينا يا ليل الفرح… .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي(4) .. مؤشرات النهاية: العلامات العسكرية والسياسية التي تسبق حسم الحروب الداخلية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

أصل القضية | حين تُقصى الكفاءة .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر

بناء الدولة يبدأ ببناء مراكز القوة قراءة تحليلية في “خطاب بلا بنية” للدكتور (أليكسي جورافلييف) .. بقلم/ لواء د. ركن/ سعد حسن فضل الله .. أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

يناقش هذا المقال تحليلًا روسيًا قدمه الباحث د. أليكسي جورافلييف لخطاب رئيس الوزراء السوداني د. كامل إدريس، من منظور نقدي واقعي يستند إلى خبرة روسيا في إدارة مراحل ما بعد النزاع. و يركز هذا التعليق الأكاديمي على تقييم المنهج التحليلي للمقال الروسي، و فعاليته في تفسير المأزق السوداني الحالي مع تسليط الضوء على الفجوة بين الخطاب السياسي و النظام الواقعي للقوة و المؤسسات.
مقدمة
في أعقاب الخطابات السياسية التي تُلقى في الفترات الانتقالية، غالبًا ما تتكاثر التفسيرات والتحليلات باختلاف المرجعيات و السياقات. مقال د. أليكسي جورافلييف المنشور بعنوان “خطاب بلا بنية”، يقدّم تحليلًا روسيًا متشبعًا بالمنهج الواقعي لتشريح خطاب رئيس وزراء حكومة الأمر الواقع في السودان ،د. كامل إدريس، في مرحلة يُنظر إليها كواحدة من أخطر مراحل الانهيار السياسي و المؤسسي في تاريخ البلاد.
مركزية القوة مقابل خطاب النوايا
انطلق التحليل الروسي من فرضية مركزية تقول إن “بناء الدولة يبدأ ببناء مركز القوة”، و ليس من خلال مؤسسات مدنية متناثرة. هذا التوصيف يستند إلى النموذج الروسي، و تحديدًا تجربة الشيشان، إلا أن استنساخه على السياق السوداني قد يغفل الفروقات البنيوية، من حيث التعدد الإثني و التاريخ الطويل للنزاعات القبلية.
صحيح أن خطاب د. إدريس لم يُظهر تصورًا ملموسًا لإعادة بناء السلطة المركزية، إلا أن تحميله المسؤولية الكاملة دون الإشارة إلى الواقع السياسي المعقد قد يُعد تبسيطًا مبالغًا فيه.
غياب خطة أمنية غيابٌ حقيقي أم ضرورة تأجيل؟
نقد جورافلييف لتجاهل “بنية العنف” له ما يبرره، خصوصًا في سياق تتنازع فيه الدولة عشرات الكيانات المسلحة ومع ذلك، فإن تقديم خطاب سياسي خالٍ من لغة العنف قد يكون مقصودًا، في محاولة لخلق مناخ رمزي يوحي بالتحول المدني، وإن كان ذلك على حساب الواقعية السياسية.
إن التركيز على تفكيك شبكات العنف دون وجود سلطة مدنية تعلن نواياها أولًا قد يؤدي إلى دوامة جديدة من العسكرة في المجال العام.
الشرعية الرمزية هل تكفي؟
يشير التحليل الروسي إلى أن رئيس الوزراء يستند إلى شرعية دولية أكثر منها محلية ،و هو نقد وجيه، لكن في ظل غياب أي مركز قوى موحد في الداخل، تصبح “الشرعية الرمزية” إحدى الأدوات القليلة المتاحة لصياغة موقف سياسي.
التجربة السودانية قد تكون بحاجة، في هذه اللحظة، إلى مزيج من الشرعية الرمزية والدبلوماسية الدولية لإحداث اختراق في جدار الانقسام الداخلي، ولو على المستوى الرمزي.
اللغة الأممية و فقدان الأدوات التنفيذية
يشير المقال بوضوح إلى أن خطاب إدريس تَبنّى لغة مؤسساتية مستعارة من نموذج الأمم المتحدة، دون إرفاقها بأدوات تنفيذية واضحة. هذا التشخيص يتسق مع ملاحظات سابقة حول “النيوليبرالية المؤسسية”، التي تُبنى فيها المؤسسات الشكلية دون محتوى سيادي أو تمويلي فعلي.
إن فشل العديد من التجارب الانتقالية في إفريقيا ما بعد النزاع كان سببه الأساسي اعتماد هذه اللغة التقنية دون قدرة على تحويلها إلى واقع.
سلام غائب و عدالة مؤجلة
الإشارة الروسية إلى غياب مشروع سلام فعلي في خطاب إدريس تُعتبر من أكثر النقاط أهمية في المقال.
الخطاب، بحسب التحليل، لم يطرح أي آليات للمصالحة أو عدالة انتقالية و هذه الثغرة تعزز القراءة التي ترى في الخطاب ممارسة نخبوية لا تعكس الوقائع المجتمعية.
هذا التجاهل يعيد إلى الأذهان تجارب “السلام من الداخل”، التي باءت بالفشل لغياب الاعتراف بالبنية المجتمعية المنقسمة.
خاتمة
ينتمي تحليل د. جورافلييف إلى المدرسة الواقعية الصلبة، التي لا تُقيم وزناً للنيات ما لم تُترجم إلى أدوات قوة و بناء. و رغم ما يحمله التحليل من نبرة تقليلية واضحة تجاه المبادرة المدنية، إلا أنه يطرح أسئلة شديدة الأهمية يجب أن يواجهها كل من يتصدر المشهد السياسي في السودان اليوم:
– هل يمكن بناء شرعية دون مركز قوة حقيقي؟
– هل يمكن أن يسبق الخطاب بناء السلطة، أم العكس؟
– ما هي أدوات السيطرة في سياق تتحكم فيه البندقية أكثر من الوزارة؟

ختامًا، يمكن القول إن مقال “خطاب بلا بنية” لا يقدّم حلاً، لكنه يقدّم مرآة قاسية لا بد للسياسي السوداني أن يتأمل فيها، كي لا يعيد إنتاج خطاب معلق في الهواء، منفصل عن أرضية القوة و متجاهل لتعقيد مجتمع ما بعد الحرب.

الخميس 26 يونيو 2025م

المقالة السابقة

أصل القضية … من “تكية الفول المصلّح” إلى “تكية الأمل” (١-٣) .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء العرب

المقالة التالية

الزراعة كأداة اقتصادية لإنقاذ السودان .. بقلم/ زهير عبد الله مساعد .. خبير بمركز الخبراء العرب

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *