في ظل اشتداد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، يظل الصراع المحتمل بين إسرائيل و إيران واحدًا من أكثر السيناريوهات خطورة على الاستقرار الإقليمي و الدولي. إنّ أي ضربة عسكرية متبادلة بين الطرفين لا يمكن أن تبقى محصورة داخل نطاق جغرافي محدود، بل تتعداه لتحدث موجات ارتدادية تتأثر بها الأسواق العالمية، وتتفاقم فيها الأزمات الاقتصادية، وخاصة في الدول ذات البنية الاقتصادية الهشة مثل السودان. وبالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لكل من إيران وإسرائيل في المعادلة الجيوسياسية والطاقة، فإن هذا النوع من التصعيد قد يشعل فتيل أزمات متداخلة، تمتد من أسعار النفط والغاز إلى الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد و حتى حركة الأموال و الاستثمارات.
وإذ يشهد العالم أصلًا أزمات متعددة مرتبطة بالركود والتضخم وسلاسل التوريد بعد جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، فإن اندلاع نزاع عسكري واسع في الخليج سيفاقم من هذه الأزمات و يدخل الاقتصاد العالمي في مرحلة جديدة من عدم اليقين. و لأجل ذلك، يستعرض هذا المقال التأثيرات المحتملة لصراع عسكري بين إسرائيل و إيران على المستويات الأربعة: العالمي، الإقليمي، المحلي، و السوداني، محللًا التداعيات الاقتصادية المترتبة على كل مستوى.
أولًا: التأثير على الاقتصاد العالمي
أي نزاع عسكري مباشر بين إسرائيل و إيران سيُحدث اهتزازات فورية في الأسواق العالمية، و من أبرز هذه التأثيرات:
– ارتفاع أسعار النفط و الغاز: إيران من كبار منتجي النفط، و تُطل على مضيق هرمز الذي تمر منه نحو 30% من تجارة النفط العالمية. استهداف هذا المضيق أو تعطيله سيؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار، و قد تتجاوز حاجز 120 دولارًا للبرميل.
– زيادة مستويات التضخم العالمية: نتيجة لارتفاع أسعار الطاقة والنقل، ستُواجه الدول المستهلكة موجة تضخم جديدة، تؤثر سلبًا على القوة الشرائية وتُربك السياسات النقدية العالمية.
– تباطؤ النمو الاقتصادي: الدول الصناعية الكبرى ستواجه صعوبات في السيطرة على التضخم دون المساس بمعدلات النمو، مما قد يدفع العالم نحو ركود اقتصادي عالمي جديد.
– هروب رؤوس الأموال: تتجه الأموال عادة إلى الملاذات الآمنة مثل الذهب و الدولار عند وقوع الأزمات، ما يضغط على عملات الدول النامية.
ثانيًا: التأثير على الاقتصاد الإقليمي (الشرق الأوسط و شمال إفريقيا)
في هذه المنطقة المشتعلة أصلًا بالنزاعات، ستضيف الحرب الإسرائيلية-الإيرانية طبقة جديدة من التوتر، تؤثر اقتصاديًا على عدة أصعدة:
– الأسواق المالية في دول الخليج: رغم قوة الاحتياطيات المالية، فإن البورصات الخليجية ستشهد تراجعًا في حال تفاقمت العمليات العسكرية أو استهدفت منشآت النفط الخليجية.
– ارتفاع أسعار الوقود في الدول غير المنتجة: مثل الأردن ومصر والمغرب، ما يؤدي إلى تضخم داخلي، وصعوبة في دعم المواد الأساسية.
– اضطرابات في السياحة والاستثمار: التوتر الإقليمي قد يؤدي إلى عزوف السياح، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وخاصة في قطاعات البنية التحتية والعقارات.
ثالثًا: التأثير على الاقتصاد السوداني
رغم بعده الجغرافي عن مركز الصراع، إلا أن السودان، باقتصاده الهش والمعتمد على الاستيراد، سيكون من أكثر الدول تأثرًا بطريقة غير مباشرة:
1- الطاقة والوقود
– السودان يستورد جزءًا كبيرًا من احتياجاته النفطية، وأي ارتفاع عالمي في الأسعار سينعكس محليًا بزيادة فواتير الكهرباء والنقل، مما يرفع تكاليف الإنتاج ويؤدي إلى تضخم واسع.
2- السلع الغذائية والأساسية
– ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد من الخليج وتركيا والصين، سيؤدي إلى نقص في المعروض و ارتفاع أسعار القمح و الزيوت والسكر.
3- العملة الصعبة و التحويلات
– السودان يعتمد على تحويلات المغتربين، وأي اضطراب في دول الخليج قد يقلل من هذه التحويلات، ما يفاقم أزمة النقد الأجنبي و يزيد الضغط على الجنيه السوداني.
4- الفرص والتحديات
– رغم التحديات، إلا أن الأزمة قد تدفع السودان إلى:
• تعزيز الإنتاج الزراعي المحلي.
• السعي نحو الاكتفاء الذاتي في بعض السلع.
• جذب بعض الاستثمارات الدولية في حال التزم الحياد وأظهر مرونة في التعاون.
إن تداعيات أي مواجهة عسكرية بين إسرائيل و إيران لن تقف عند حدود الجغرافيا، بل ستمتد إلى النظام الاقتصادي العالمي بأكمله، مرورًا بالأسواق الإقليمية، وانتهاءً بالدول الهشة مثل السودان. وبينما تتصدر أسعار النفط وملفات الأمن الغذائي أولويات التحليل، فإن الأبعاد الأخرى من بطالة، فقر، اضطرابات داخلية، و هشاشة مالية ستُشكّل تحديات إضافية.
لذلك، فإن الرؤية الاستراتيجية للحكومات، خاصة في الدول النامية، يجب أن تتحول من ردود الفعل إلى الاستباق و الاستعداد، من خلال تنويع مصادر الطاقة، و تدعيم الإنتاج المحلي و وضع سيناريوهات بديلة لإدارة الأزمات المتوقعة.
