Popular Now

صندوق أممي لتعويضات السودانيين …وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

وجه الحقيقة |دعوة كامل إدريس للحوار الوطني .. إبراهيم شقلاوي

سلسلة الحرب على السودان (27) .. قوات الدعم السريع: من ذروة النفوذ إلى مسارات التفكك والانحسار .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

بلاد النيلين والانهيار الاقتصادي .. (تساؤلات حيرت العلماء و الخبراء) .. بقلم/ أحمد حسن الفادني – باحث بمركز الخبراء العرب

شهد الاقتصاد السوداني على مدى عقود مسارًا ممزقًا بين إمكانات طبيعية هائلة (أراضي زراعية واسعة، موقع جغرافي محوري، موارد معدنية) وإنجازات اقتصادية ضئيلة أو متراجعة بفعل تراكمات سياسية وأمنية مؤسسية. يسعى هذا المقال إلى تشخيص أسباب التدهور المتعدد الأبعاد، رصد الآثار الناجمة عنه، وتوضيح دور السياسات والتشريعات والمؤسسات (حكومية وخاصة) في ترسيخ أو تفاقم الأزمة، مستندًا إلى بيانات وتقارير صادرة عن مؤسسات دولية ومحلية، و هي في النقاط التالية :
أولًا: ملامح الانهيار ( صورة رقمية موجزة):
1. انكماش حاد في النشاط الاقتصادي: تقارير البنك الدولي تشير إلى تقلص النشاط الاقتصادي بدرجات كبيرة خلال 2023–2024، مع آثار مباشرة على الناتج المحلي والقدرة الإنتاجية.
2. تضخم مهيمن وفقدان استقرار الأسعار: معدلات التضخم تحولت إلى أرقام ثلاثية (وفي فترات قاسية وصلت إلى مستويات قياسية)، ما أدى إلى انهيار القوة الشرائية للمواطنين، فمؤشرات صندوق النقد والبنوك المحلية تؤكد ارتفاعات متكررة في أسعار المستهلكين.
3. إزاحة موارد الدولة: النشاط الاقتصادي الرسمي يتآكل مقابل ازدهار اقتصاد غير رسمي وحرب اقتصادية (بما في ذلك تجارة الذهب غير المشروعة)، ما يحرم الخزينة العامة من موارد ذات بعد استراتيجي.

ثانيًا: جذور الأزمة( سياسات تاريخية وسياسات راهنة):
أستطيع تصنيف الأسباب إلى فئات مترابطة:
1. الصدمات الهيكلية الخارجية فقدان النفط: احد أهم الصدمات كان انفصال جنوب السودان (2011) الذي نقل الجزء الأكبر من حقول النفط إلى الدولة الجديدة، ومما سبب فقدانا كبيرا في الإيرادات والصادرات السودانية، فاضطر الاقتصاد لإعادة التحول فجأة من نموذج اعتمادي على النفط إلى اقتصاد متعدد الموارد مع فجوة مالية كبيرة.
2. السياسات المالية والنقدية غير المتسقة: سلسلة من السياسات النقدية والمالية التوسعية والممارسات غير الشفافة (طباعة نقد، تحكمات في سعر الصرف، قيود على الحسابات) أدت إلى فقدان الثقة في العملة المحلية، وخلق فروقات كبيرة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، ما أدى لتسريع التضخم وارتفاع تكلفة الاستيراد. (تؤكد توقعات ومؤشرات مؤسسات دولية ارتفاعات مستمرة في الأسعار).
3. الحوكمة والفساد والاقتصاد الموازي:غياب مؤسسات رقابية فعّالة وتنامي شبكات الفساد وسرية الصفقات وتورط جهات مسلحة أو جهات نافذة في أنشطة تجارية (لا سيما في قطاع الذهب) خلق اقتصاد حرب يحتكر عوائد موارد استراتيجية خارج المسارات الرسمية، ما يحرم الدولة من إيرادات حاسمة ويبقي الاقتصاد في حالة عدم استقرار دائم. حيث تؤكد تقارير بحثية وتحقيقية رصدت دور شبكة تهريب الذهب كقناة تمويل للنزاعات ومصدر تهريب عائدات بالخارج.
4. الصراعات المسلحة والسياسة غير المستقرة: التقلبات السياسية (انقلابات، احتجاجات، تفكك مؤسسات الدولة) والنزاعات المسلحة والحرب الأخيرة أدت إلى تدمير البنية التحتية، تهجير الملايين، وانسداد قنوات الإنتاج والتجارة. الحرب تجعل تنفيذ إصلاحات اقتصادية عميقة أمرًا صعبًا أو مستحيلًا ويضاعف تكلفة التعافي.
5. التشريعات والبيئة المؤسسية غير الجاذبة للاستثمار: القوانين المؤقتة، عدم وضوح الملكية، قيود تحويل الأموال، وعدم وجود إطار قانوني مستقر للاستثمار الأجنبي أو حماية المستثمر المحلي، كلها عوامل جعلت السودان يفقد الكثير من فرص التكامل الإقليمي وجذب رأس المال المنتج، خصوصا بالمقارنة مع دول الجوار الإفريقي التي حسنت بيئاتها الاستثمارية.

ثالثًا: من يقف وراء الانهيار؟ ( أصابع الاتهام المتداخلة):
لا يمكن نسب التدهور إلى جهة واحدة، بل هو نتيجة تقاطعات:
1. سياسات الدولة المتعاقبة: قرارات اقتصادية قصيرة النظر، اعتمادية على دخل محدود (النفط سابقا)، وعدم بناء احتياطي ذو مصداقية، وتذبذب بين سياسات فتح اقتصادي وحماية، كلها ساهمت في خلق ترهل مؤسسي اقتصادي.
2. جماعات نفوذ اقتصادية/ وعسكرية: جهات قائمة على النفوذ الأمني والسياسي استغلت الفجوات لخلق قنوات ربحية (تهريب، امتيازات غير شفافة، شركات كانت مرتبطة بالميلشيا المتمردة) ما أدى إلى تحويل جزء كبير من الاقتصاد إلى اقتصاد حرب و ريع.
3. أطراف إقليمية ودولية: في أوقات معينة، تدخلات إقليمية أو ممارسات تجارية محيطة (تدفقات ذهب غير رسمية عبر دول الجوار وأسواق خارجية) ساهمت في تغذية الاقتصاد الموازي وتقويض محاولات الإصلاح.
4. فشل الأحزاب والمؤسسات: غياب رؤى وطنية طويلة الأمد عبر تحالف سياسي تقني مؤسسي يملك أدوات التطبيق والقبول الاجتماعي.

رابعًا: آثار الانهيار: إنسانية، اجتماعية، وسياسية:
1. انهيار سبل العيش: انخفاض الدخل الحقيقي، ارتفاع معدلات الفقر، ونزوح داخلي واسع النطاق يقدر بالملايين، مع آثار على الأمن الغذائي.
2. تراجع الخدمات العامة: ضعف في الإنفاق الصحي والتعليمي والبنى التحتية نتيجة ضغوط مالية وعجز في الإدارة.
3. تفكك سوق العمل: ارتفاع البطالة والتوظيف غير الرسمي، وهجرة رأسمالية وبشرية إلى أسواق خارجية.
4. خطر تمزق الدولة: مستويات النزوح والتقسيم الاقتصادي الجهوي قد تغذي نزاعات على الموارد والشرعية السياسية.

خامسًا: لماذا فشلت كل الإصلاحات التقليدية؟:
الإصلاحات الاقتصادية التقليدية (تثبيت مالي، تحرير سعر الصرف، جذب استثمار أجنبي، خصخصة جزئية) تفشل عندما:
1. تطبق في فراغ سياسي: لا تكفي الإصلاحات التقنية إذا لم تترافق مع توافق سياسي ومشروع شرعية يضمن توزيع فوائد الإصلاح.
2. تهزم بالاقتصاد الموازي : أي إصلاح يواجه مقاومة من شبكات مصالح راسخة (مهما كانت عقلانية تقنيا) سيضعف تنفيذه.
3. لا يرافقها إصلاح مؤسسي و تشريعي شامل: إصلاحات أحادية الجانب تعطي نتائج مؤقتة ما لم يبنى إطار قانوني وشفافية ومؤسسات رقابية.
4. غياب الأمن والاستقرار: لا يمكن أن تزدهر إصلاحات السوق إذا استمر العنف واضطراب التمويل.

سادسًا:توصيات عملية واستراتيجية للخروج من الأزمة:
(مزيج من إجراءات قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى — عملية مبنية على تجارب دولية قابلة للتكييف مع خصوصية السودان)
1. وقف نزيف الموارد وإضفاء الشفافية على القطاعات الاستراتيجية: تسجيل ومراقبة قطاع الذهب والمعادن، فرض نظم تدقيق إجباري، وتعزيز القدرة الجمركية والمصرفية لقطع سبل التهريب. ( اتباع التجربة الدولية في آليات تتبع المورد وتصاريح تصدير شفافة).
2. إطار إصلاح نقدي متدرج مستدام: توحيد سعر الصرف تدريجيًا، إعادة بناء احتياطي نقدي عبر اتفاقات إقليمية ودولية و وقف التمويل غير المستدام لطباعة النقد.
3. إصلاحات مؤسسية وقضائية: استقلالية محاسبية للبنك المركزي، قانون لحماية المستثمر، إصلاح جهاز الجمارك وخلق محاكم اقتصادية مختصة للنزاعات الاستثمارية.
4. برنامج اجتماعي موازي: شبكات حماية تستهدف الفئات الأشد ضعفا (دعم مباشر، سلال غذائية مؤقتة، مشاريع توظيف طارئة).
5. مصالحة سياسية وبناء تحالف تقني وطني: خارطة طريق سياسية تضمن مشاركة فاعلة للقوى المدنية مع عناصر فنية مستقلة تدير برامج الإصلاح.
6. تعزيز التكامل الإقليمي: تحديث التشريعات التجارية الجمركية لتسهيل التجارة مع دول الجوار وبناء سلاسل قيمة إقليمية في الزراعة والنقل.

وفي خاتمة القول (سؤال أخير مفتوح) أن الاقتصاد السوداني لا ينهار بسبب خطأ اقتصادي واحد أو لعنة طبيعية، بل نتيجة شبكة من الأخطاء السياسية، القرارات الاقتصادية القصيرة الأمد وتأثير شبكات مصالح قوية استغلت الفراغات بقيود على الشفافية والمساءلة. أي إجابة مستدامة لا بد أن تكون سياسية بالأساس في إصلاحات متناسقة تقترن بمصالحة وطنية، شفافية موارد، وإطار مؤسسي يضمن توزيعًا عادلًا للعائدات الاقتصادية. هل لدى السودان القدرة على بناء هذا الإجماع قبل أن تبتلع الأزمة المزيد من الأجيال؟ هذا السؤال يبقى المفتاح لتفسير ما إذا كانت بلاد النيلين ستعود لتكون لاعبا اقتصاديا مستقرا في الإقليم أم ستظل ضحية تراكمات الماضي.
( العبرة لمن اتعظ)

Previous Post

منشورات د. أحمد المفتي، رقم 5723 بتاريخ 20 سبتمبر 2025 .. الجيش القطري مقتدر ، ولكن لمحاربة الصديق الطامع والعدو الذي تأمر به أمريكا !!!!!

Next Post

حالة السلوك المؤسسي للحرب بين جيش السودان و(جنجويد) الإمارات .. بقلم/ د.بابكر عبدالله محمد علي

Add a comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *