Popular Now

وجه الحقيقة | عود لينا يا ليل الفرح… .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي(4) .. مؤشرات النهاية: العلامات العسكرية والسياسية التي تسبق حسم الحروب الداخلية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

أصل القضية | حين تُقصى الكفاءة .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر

ثورة 21 أكتوبر 1964 في السودان: دروس التاريخ وآفاق المستقبل .. بقلم/ أمية يوسف حسن أبوفداية .. باحث وخبير استراتيجي مختص في شؤون القرن الأفريقي

مدخل تاريخي: عبود بين الدكتاتورية والنزاهة
في سياق الحديث عن ثورة أكتوبر 1964، لا بد من التوقف أولاً عند الحقبة التي سبقتها، وتحديدًا عند فترة حكم الفريق إبراهيم عبود، القائد العسكري الذي تولى الحكم في نوفمبر 1958 بعد انقلاب عسكري «أبيض» لم تُراق فيه الدماء، بل تم بتوافق وطلب واضح من قيادات مدنية بارزة، خصوصًا من حزب الأمة، وبدعم وتزكية من السيدين: عبدالرحمن المهدي وعلي الميرغني، رمزي الطائفتين الدينيتين الكبيرتين في السودان.
لم يكن عبود دكتاتورًا تقليديًا من طراز من عرفهم العالم الثالث في تلك الحقبة، بل كان عسكريًا صارمًا، نزيهًا، ومخلصًا لوطنه، ذو سمعة عسكرية محترمة ترجع إلى مشاركته في الحرب العالمية الثانية ضمن قوات الحلفاء. وقد أهلته تلك الخبرات والمواقف النزيهة لأن يتولى لاحقًا قيادة القوات المسلحة السودانية، ثم تسلم دفة الحكم.
طوال فترة حكمه التي استمرت ست سنوات، لم يُتهم الرجل في نزاهته ولا في دينه ولا في وطنيته، وهي شهادات نادرة في حقبة اتسمت بالحكم الفردي العسكري في المنطقة العربية. لكن مع مرور الوقت، اصطدمت محاولة بناء الدولة المركزية بمقاومة قوى المجتمع المدني، والنخب السياسية والنقابات المهنية، خصوصًا بعد تصاعد قمع الحريات، وتدهور الحالة الاقتصادية، واحتقان المشهد السياسي، لتبدأ ملامح الانفجار الشعبي في التكون.

21 أكتوبر: أول ثورة سلمية في العالم العربي والإسلامي
تُعد ثورة 21 أكتوبر 1964 واحدة من المحطات التاريخية الفارقة في تاريخ السودان، بل وفي تاريخ العالم العربي والإسلامي قاطبة، حيث تُعد أول ثورة سلمية شعبية نجحت في إسقاط نظام عسكري دون استخدام السلاح أو العنف المسلح، وهو ما منحها خصوصية و فرادة لا تزال تُذكر بها حتى اليوم.
انطلقت شرارة الثورة من جامعة الخرطوم، عبر احتجاجات طلابية واجهها النظام بالقمع، ما أدى إلى مقتل الطالب أحمد القرشي طه، فكان دمه هو الوقود الذي أشعل فتيل الغضب في كل مدن السودان. انتظمت الجماهير في تظاهرات واعتصامات سلمية، قادتها النقابات المهنية والاتحادات الطلابية وروابط المعلمين والأطباء، في مشهد وطني جامع قلّ نظيره في التاريخ السوداني.
ما ميّز هذه الثورة أنها كانت ،برغم سلميتها، واعية، منظمة، وتحمل مطلبًا واضحًا: رحيل الحكم العسكري وعودة الحكم المدني الديمقراطي. وقد رضخ الفريق عبود في النهاية لهذا المطلب، بعد أن أدرك أن الشرعية الشعبية قد انتزعت منه، فاختار الانسحاب في صمت، وسجّل بذلك نهاية واحدة من أكثر التجارب العسكرية انضباطًا ونزاهة، رغم ما شابها من تحفظات.

بروز التيار الإسلامي: بداية صعود، لا نهاية معركة
من أبرز ما ميز الحراك السياسي في أكتوبر 1964 كان الظهور السياسي العلني والقوي للتيار الإسلامي، ممثلاً بشكل أساسي في جماعة الإخوان المسلمين السودانية (جبهة الميثاق الإسلامى)، التي كان يتزعمها آنذاك الدكتور حسن عبدالله الترابي، الذي لمع نجمه كقيادي شاب ومثقف يمتلك خطابًا مختلفًا وجاذبًا.
رغم أن التيار الإسلامي لم يكن القوة الأكبر من حيث التنظيم والتأثير آنذاك، إلا أن ظهوره بهذا الزخم فتح الباب لمشاركة واسعة في العمل السياسي، وأسّس لمعادلات جديدة في المشهد السوداني ستتطور لاحقًا مع تقلبات العقود التالية. إلا أن قوى اليسار، وخصوصًا الحزب الشيوعي السوداني، كانت الأكثر تنظيمًا وخبرة، ما مكّنها من الهيمنة على مفاصل الحراك النقابي والسياسي في الفترة الانتقالية بعد الثورة.

النقابات كواجهة للسياسة: طموح محفوف بالمخاطر

بعد إسقاط النظام العسكري، دخل السودان مرحلة انتقالية، تشكلت فيها حكومة مؤقتة ضمت شخصيات مدنية، وبرز دور تجمع النقابات كواجهة جديدة للعمل السياسي. إلا أن هذه التجربة سرعان ما واجهت تحديات عديدة، تمثلت في محاولة بعض القوى احتكار المشهد عبر تصفية رموز الخدمة المدنية بحجة تعاونهم مع النظام السابق، وفرض أجندات سياسية من خلال النقابات، الأمر الذي هدد التوازن والاستقرار.
من المؤسف أن تتحول النقابات، التي يفترض أن تكون أدوات لتحسين شروط العمل والدفاع عن حقوق الأعضاء، إلى أدوات صراع سياسي بين الأحزاب، ما أدى إلى شلل إداري ومواجهات سياسية انعكست سلبًا على الأداء الاقتصادي والخدمي للدولة.

الصراعات الحزبية والانشقاقات: الخطر الكامن
لم تكد تكتمل فرحة السودانيين بنجاح الثورة حتى بدأت الخلافات والصراعات الحزبية تطفو على السطح، لتتجلى في انشقاقات حتى داخل الحزب الواحد. فبدلاً من التوحد خلف مشروع وطني جامع، انشغلت النخب السياسية بتقاسم السلطة والنفوذ، وهو ما أضعف المرحلة الانتقالية وأفقدها الزخم الجماهيري الذي صاحب لحظة التغيير.
هذا الانقسام الحزبي، خاصة بين التيارات اليسارية (بقيادة الحزب الشيوعي ونقاباته) والإسلامية (الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة وجبهة الميثاق الإسلامي)، وانشقاق الأحزاب الوطنية وتنازعها، أدى إلى تجاذبات حادة في مؤسسات الدولة، وعمّق من أزمة الثقة بين الحكومة والمواطنين، مما مهد الطريق لاحقًا لعودة العسكر إلى المشهد في مايو 1969 بقيادة جعفر نميري، في انقلاب جديد أنهى فترة الديمقراطية الثانية.

أكتوبر في مرايا ديسمبر 2018: أخطاء متكررة وتاريخ لا يُحفظ
بعد أكثر من نصف قرن، وتحديدًا في ديسمبر 2018، أعاد الشعب السوداني الكرة، وخرج في ثورة شعبية أطاحت بنظام عسكري طويل الأمد، هو نظام عمر البشير، والذي حكم البلاد لثلاثة عقود بقبضة أمنية واقتصاد متدهور في أواخر عهده، وفساد مستشرٍ، وعزلة دولية خانقة.
لكن للأسف، فإن القوى التي تصدرت المشهد بعد ثورة ديسمبر كررت ذات أخطاء نخب أكتوبر. عادت النزعة الإقصائية ومحاولة احتكار الفترة الانتقالية، وبرزت الصراعات الحزبية، واستغلال السلطة لتصفية الحسابات السياسة والتخلص من الخصوم، واستُخدمت النقابات ولجان المقاومة كأدوات للمزايدة السياسية، بدلًا من أن تكون منابر للتغيير الحقيقي والتنمية والمحافظة على المكتسبات الوطنية.
وتجلّت المفارقة في أن النخب الجديدة، رغم ادعائها استلهام روح أكتوبر، لم تحتفظ منها إلا بالأناشيد الوطنية الجميلة التي تغنى بها الفنانون الكبار مثل محمد وردي ومحمد الأمين، بينما ضاعت جوهر الرسالة، وأهدرت الفرصة التاريخية لبناء وطن يستحقه السودانيون.

خاتمة: ما بعد أكتوبر… هل من وعي بالتاريخ؟
إن ثورة أكتوبر 1964، بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات، تظل علامة فارقة في التاريخ السياسي السوداني والعربي. لقد قدمت درسًا عظيمًا في قوة السلمية، و وعي الشعوب وقدرة الجماهير على التغيير دون عنف. لكنها في ذات الوقت حملت تحذيرًا من مغبة الفوضى السياسية، وغياب الرؤية، وتغليب المصالح الحزبية على مصلحة الوطن.
اليوم، ونحن في 21 أكتوبر 2025، نحتاج أن نقرأ أكتوبر قراءة جديدة، لا كحكاية ماضٍ جميل نردد أناشيده، بل كدرس عملي مليء بالتفاصيل، يجب أن نتعلم منه لا أن نُمجده فقط. فالحكمة لا تكمن في إسقاط النظم فقط، بل في ما بعد السقوط: كيف نؤسس لبديل مستقر، عادل ومستنير.
إن الوطن لا يبنى بالأناشيد وحدها، ولا بالشعارات الجوفاء، بل بالعقل، والتسامح، والحوار، والعمل الجاد وبناء المؤسسات. وأكتوبر، في جوهرها، كانت دعوة لهذه القيم، فهل نعِـيَها أخيرًا؟

المقالة السابقة

فترة حكم آبي أحمد لإثيوبيا الطموحات والتحديات والآمال والمعوقات للفترة 2018-2025م (الحلقة الخامسة)آبي أحمد والآثار الناجمة عن حرب تغراي وانعكاساتها على الدول الإثيوبية ..بقلم/د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب الباحث المختص في الشأن الأفريقي

المقالة التالية

وجه الحقيقة |كان أكتوبر في أمتنا منذ الأزل.. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *