في صباح الخامس عشر من أبريل عام 2023، استيقظ السودانيون على دويّ المدافع في العاصمة الخرطوم وعدد من المدن الأخرى، معلنين بداية فصل جديد من الصراع في تاريخ السودان الحديث. لم تكن تلك الأحداث وليدة الصدفة، بل كانت نتاج إعداد ضخم وتنسيق عالٍ استمر لأشهر من قبل قوات الدعم السريع بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، مدعومة بظهير إقليمي واضح وشبكة علاقات داخلية مع بعض الأحزاب المدنية الطامحة للسلطة.
بحسب ما صرّح به قائد قوات الدعم السريع، كان الهدف من العملية أن تكون انقلابًا خاطفًا لا يتجاوز الساعتين، يتم فيه اغتيال رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وإعلان حميدتي رئيسًا مكلفًا للبلاد. ثم تُوجَّه أصابع الاتهام إلى الحركة الإسلامية (حزب المؤتمر الوطني) باعتبارها المتورطة في عملية الاغتيال، لتبدأ بعدها حملة تصفية منظمة ضد الإسلاميين وكل الخصوم السياسيين والعسكريين.
غير أن إرادة الله شاءت أن تنقلب الموازين. فقد تصدى الحرس الرئاسي بشجاعة نادرة للهجوم على مقر القيادة العامة، وسقط منهم خمسة وثلاثون شهيدًا وهم يدافعون عن رئيسهم، ما أدى إلى فشل الخطة الأساسية لقوات الدعم السريع. هذا الفشل السريع دفع حميدتي إلى الانتقال مباشرة إلى الخطة (ب)، وهي الانتشار الواسع والسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي السودانية، مع الإبقاء على حصار البرهان وقيادات الجيش في نطاق محدود.
استفادت قوات الدعم السريع من امتدادها القبلي والبشري في إقليم دارفور، ومن دعم إقليمي واضح ومن بعض دول الجوار الغربي للسودان، لتفرض سيطرتها على معظم مناطق دارفور الكبرى، باستثناء مدينة الفاشر التي صمدت لفترة طويلة قبل أن تسقط مؤخرًا. كما تمكنت من السيطرة على ولاية الجزيرة وولاية الخرطوم ومعظم ولاية شمال كردفان، عدا مدينة الأبيض التي بقيت محاصرة لفترة، إلى جانب ولاية النيل الأبيض وغرب كردفان والنيل الأزرق (باستثناء مدينة سنار).
هذا التوسع السريع ترافق مع انسحابات تكتيكية من الجيش السوداني في بعض المناطق، الأمر الذي أدى إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة. فقد نزح ما يزيد عن 14 مليون مواطن إلى مناطق تسيطر عليها القوات المسلحة، بينما لجأ أكثر من مليوني سوداني إلى دول الجوار، معظمهم إلى جمهورية مصر العربية.
في أغسطس 2024، وبعد شهور من الكرّ والفرّ، استطاعت القوات المسلحة السودانية استعادة زمام المبادرة بعملية نوعية في منطقة (جبل موية) الإستراتيجية. كانت تلك المعركة نقطة التحول في مسار الحرب، إذ تبعها تحرير متسلسل للمدن والولايات في غضون ستة أشهر فقط، حتى لم يتبق خارج سيطرة الجيش سوى ولايات دارفور وغرب كردفان.
وقد اعتُبرت تلك المرحلة بمثابة بعث جديد للجيش السوداني، الذي أعاد تنظيم صفوفه، واستفاد من تجارب المعارك السابقة ومن الدعم الشعبي الواسع، خاصة من المواطنين الذين عانوا ويلات الانتهاكات الممنهجة على يد قوات الدعم السريع في المناطق التي سيطرت عليها.
لكن الأسبوع الأخير شهد تطورًا خطيرًا في مسار الصراع، إذ تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة على مدينة بارا الإستراتيجية الواقعة شمال الأبيض وجنوب أم درمان، لتفتح بذلك ممرًا جديدًا نحو وسط البلاد. وبعد أقل من 72 ساعة فقط، سقطت مدينة الفاشر، آخر معاقل الجيش في دارفور، بعد 269 محاولة اقتحام فاشلة وسقوط آلاف القتلى من القوات المهاجمة .
بسقوط الفاشر، أصبحت قوات الدعم السريع تسيطر على كامل إقليم دارفور، في واحدة من أكثر العمليات دموية منذ اندلاع الحرب. إلا أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة سيطرة سياسية أو استقرارًا إداريًا، خاصة بعد تواتر التقارير الحقوقية التي توثّق عمليات تطهير عرقي وتهجير قسري لقبائل إفريقية كاملة في الإقليم، وهو ما أكدته منظمات دولية متعددة ومنصات مراقبة مستقلة.
إن سلوك قوات الدعم السريع في دارفور، بما فيه من انتهاكات واسعة وتصفيات على أساس عرقي، يجعل من المستحيل –من الناحية الواقعية والسياسية– أن تستمر هذه القوات في حكم الإقليم. فالمجتمع الدولي، وإن كان منقسمًا في موقفه من الحرب السودانية، إلا أنه لن يقبل تكرار تجربة ليبيا في غرب السودان، حيث يتفتت الإقليم بين مليشيات مسلحة وقوى خارجية.
كما أن الوضع الميداني المعقد سيُربك منبر الرباعية (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، والإمارات)، الذي كان يدعو إلى العودة للمفاوضات السياسية بين الطرفين. فالجيش السوداني، بعد التجارب المريرة، لن يثق بسهولة في أي مبادرة تأتي من أطراف كان لها دور مباشر أو غير مباشر في دعم قوات الدعم السريع عبر الإمدادات أو التسهيلات اللوجستية من دول الجوار الغربي.
عقب المجازر التي شهدتها مدينة الفاشر، أعلنت مصر وتركيا وقطر، إلى جانب الدول الغربية، إدانتها القاطعة لما وصفته بـ”الاستباحة الهمجية” للمدينة وقتل أكثر من 2500 مدني بدم بارد على أيدي قوات الدعم السريع والتي ظلت توثق جرائمها لتخويف خصومها . هذه الإدانات جاءت متأخرة في نظر كثير من المراقبين، لكنها تعكس تحولًا في المزاج الدولي تجاه حميدتي، الذي كان يحاول لسنوات تقديم نفسه كـ”قائد إصلاحي” يسعى لتحقيق الديمقراطية و الاستقرار في السودان.
في المقابل، تحاول بعض القوى الإقليمية، الاستفادة من الفوضى داخل السودان لتحقيق مصالحها الجيوسياسية، سواء من خلال تجارة السلاح أو استغلال الثروات المعدنية في دارفور الغنية بالذهب والمعادن النادرة.
الجيش السوداني بين التحدي والفرصة
يواجه الجيش السوداني اليوم تحديًا مصيريًا : كيف يعيد فرض هيبة الدولة دون الانزلاق إلى حرب أهلية طويلة الأمد؟ وكيف يوحّد الصف الوطني في ظل الانقسامات السياسية والقبلية الحادة؟
لكن رغم صعوبة الموقف، فإن هناك مؤشرات أمل حقيقية. فقد أظهرت الحرب الأخيرة قدرة الجيش على التكيّف السريع، وعلى بناء تحالفات محلية مع المجتمعات التي تضررت من وجود الدعم السريع. كما أن الموقف الشعبي العام، الذي بات يرى في الجيش المؤسسة الوحيدة القادرة على حفظ السودان من التفكك، يمثل رصيدًا مهمًا في معركة الوعي والشرعية.
خاتمة
إن حرب 15 أبريل 2023 لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين جيش نظامي وقوات متمردة، بل كانت حربًا على هوية السودان نفسه، على وحدته الوطنية وسيادته واستقلال قراره السياسي. ما بدأ كـ”انقلاب خاطف” انتهى إلى حرب شاملة غيّرت خريطة البلاد ديموغرافيًا وجغرافيًا، وخلّفت مأساة إنسانية كبرى ستحتاج إلى سنوات لمعالجتها.
ومع أن الطريق نحو السلام والاستقرار ما يزال طويلًا، فإن السودان أثبت –بصمود جيشه وشعبه– أنه قادر على تجاوز محاولات تمزيقه، وأن إرادة الحياة أقوى من رصاص المرتزقة ودعم الطامعين.
فالتاريخ لن يرحم من خان وطنه، ولن يغفر لمن باع دماء الأبرياء في سبيل سلطة زائلة.


