طالعنا قبل أيام في بعض المواقع الإخبارية خبر مفاده أن السيد وزير المالية التخطيط الإقتصادي دكتور جبريل ابراهيم ناقش في اجتماع رسمي بالوزارة ديون السودان المتراكمة، و عن المعناة التي يعيشها السودان بسبب الديون، لكن للأسف لم تتناول هذه المواقع تفاصيل الاجتماع، و إنما جاء الخبر في إطار السبق الصحفي، و في غياب تفاصيل ما دار في الاجتماع أتوقع أنه ناقش كيفية حل مشكلات الديون و أن السيد الوزير تناولها بمهنية عالية.
إن قضية ديون السودان الخارجية و فوائدها تعتبر من المشاكل التي أقعدت بالسودان، و جعلته في مؤخرة الدول بالرغم من حجم ثرواته الكثيرة لذا من الضروري تقديم حلول اقتصادية تفضي الى حلول ناجعة.
إن غياب تفاصيل ما دار في الإجتماع الذي ذكر في سياق الخبر لا يمنعنا من تقديم رؤيتنا للحل بمنظور اقتصادي تحليلي يعكس واقع الاقتصاد السوداني. حيث أن السودان ظل يعاني من عبء الديون الخارجية المتراكمة و التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، و تُعد هي من الاسباب الرئيسية التي تعيق مسيرة النمو الاقتصادي و تحدّ من قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية و التنمية المستدامة.
في ظل تلك التحديات الاقتصادية المتفاقمة تبرز الحاجة إلى تقديم رؤى و حلول مبتكرة تعتمد على شحذ الموارد المحلية من خلال مشاريع استثمارية تنموية ذات عائد اقتصادي واضح ومستدام و ذلك من خلال توصيف منطقي علمي للديون الخارجية.
أولا: واقع الدين الخارجي في السودان:
1.حجم الديون:
تقدر ديون السودان الخارجية تقدر بمبلغ 56 مليار دولار (وفق التقديرات الأخيرة قبل الحرب) حسب ما ورد في تقرير البنك الدولي و معظمها و ديون موروثة و فوائدها من فترة ما قبل الانفصال.
2.أسباب تراكم الديون:
أ.ضعف الإدارة الاقتصادية.
ب.الاعتماد على تصدير المواد الخام غير المصنعة.
ج .ضعف الإنتاجية و قلة الاستثمارات النوعية.
د.تراجع المساعدات والمنح بعد العقوبات السياسية و الدولية تجاه السودان.
ثانياً: الرؤية التنموية الاستثمارية كمدخل لحل أزمة الديون:
1.التحول من الاقتصاد الربعي إلى الاقتصاد الإنتاجي وذلك من خلال :
أ.بتبني نموذج تنموي يعتمد على تحفيز الإنتاج المحلي.
ب.إنشاء صناديق استثمار سيادية تدار بشفافية وتخصص لمجالات ذات جدوى اقتصادية مباشرة كما تحدثنا فيها في مقالات سابقة .
2 إطلاق حزمة من المشاريع القومية ذات العائد الاقتصادي:
تشمل مشاريع استرايجية ذات قيمة تنموية استثمارية (الطاقة، و الانتاج الزراعي و الحيواني ،و البنية التحتية و التعدين).
ثالثا: آلية ربط الاستثمار بسداد الديون وذلك عبر :
1 إنشاء محافظ مشاريع استثمارية تحت إدارة صندوق سيادي:
أ.تخصيص جزء من أرباح المشاريع لسداد أقساط الديون الخارجية.
ب.الشفافية في إدارة الموارد و توجيهها للمصارف الدائنة كضمان للسداد.
2.الدبلوماسية الاقتصادية:
أ.التفاوض مع الدائنين لتحويل جزء من الديون إلى استثمارات مشتركة في المشاريع التنموية .
ب.استقطاب تمويل ميسر من مؤسسات دولية (مثل البنك الإسلامي للتنمية، و الصندوق العربي).
3.إصدار سندات تنموية مضمونة بعائدات مشاريع محددة:
جذب ودائع السودانيين العاملين في الخارج و المؤسسات المالية.
رابعاً: متطلبات نجاح الرؤية :
1.إصلاح البيئة القانونية للاستثمار.
2.استقرار سياسي و أمني.
3.إنشاء هيئة وطنية عليا لإدارة الدين والاستثمار.
4.تحسين الشفافية و المحاسبة.
و نختم بالقول بأن حل أزمة ديون السودان لا يمكن أن يتم عبر القروض و المساعدات فقط، بل يتطلب تبني رؤية تنموية قائمة على شحذ الموارد الوطنية و الدولية من خلال مشاريع استثمارية حقيقية.
كما أنه يمكن القول إن هذه الرؤية المختصرة قد تكون قادرة على تحويل التحدي إلى فرصة، و جعل الدين وسيلة للنمو و ليس عبئًا على الأجيال القادمة.

