يشهد السودان هذه الأيام ارتفاعًا في مناسيب نهر النيل نتيجة لعمليات تفريغ توربينات سد النهضة الإثيوبي ،وفي هذا التطور الذي قد يبدو فنيًا وتقنيًا في ظاهره، يتجاوز حدود إدارة المياه ليطرح أبعادًا سياسية، وأمنية، واقتصادية واجتماعية معقدة، تمس أمن السودان المائي، واستقراره الاقتصادي وسلامة مجتمعه، كما تمتد تداعياته إلى مصر الشقيقة باعتبارها شريكًا أساسيًا في حوض النيل الشرقي. إن تحليل هذه الظاهرة يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز المنظور الهيدرولوجي الضيق، نحو فهم أعمق للعلاقات الإقليمية، والتوازنات الإستراتيجية وأمن الطاقة والغذاء في المنطقة، و من خلال ذلك دعونا نستعرض بعض النقاط الهامة في هذا المقال.
أولًا: الأبعاد الاقتصادية لزيادة المناسيب:
1. الأراضي الزراعية: ارتفاع مناسيب النيل يؤدي إلى إغراق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية على ضفاف النهر وفروعه، بما يضر بالموسم الزراعي الصيفي ويقلل الإنتاجية، في وقت يعتمد فيه السودان بشكل حيوي على الزراعة لتأمين الغذاء والعملات الصعبة.
2. البنية التحتية والخدمات: شبكات الطرق والجسور والقري النيلية تواجه مخاطر الانجراف أو الانقطاع، ما يرفع تكلفة النقل ويعطل حركة التجارة الداخلية.
3. الكهرباء والطاقة: في حال لم تتم إدارة التدفقات المائية بتنسيق مسبق، يمكن أن تتعرض السدود السودانية (كالروصيرص وسنار) لاضطراب في التوليد الكهربائي نتيجة تذبذب المنسوب، مما يفاقم أزمة الطاقة.
4. الاقتصاد الكلي: الخسائر الزراعية والبنيوية تعني ضغطا إضافيا على الميزانية العامة، وارتفاعا في أسعار السلع الغذائية، بما يضاعف من معدلات التضخم ويزيد هشاشة الاقتصاد السوداني.
ثانيًا: الآثار الاجتماعية المباشرة:
1. النزوح والتهجير: الفيضانات الناتجة عن التفريغ المفاجئ تؤدي إلى نزوح آلاف الأسر من المناطق النيلية إلى مناطق أكثر أمنًا ما يخلق ضغطا على المدن والموارد المحدودة.
2. الصحة العامة: المياه الراكدة التي تخلفها الفيضانات تمثل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة والأمراض وزيادة معدلاتها كالملاريا والكوليرا، وحمى الضنك ، ما يزيد الضغط على النظام الصحي الهش أصلا بفعل الحرب.
3. الأمن الغذائي: تراجع الإنتاج الزراعي وتلف المحاصيل ينعكس على قوت المواطنين، ويدفع نحو زيادة الاعتماد على الواردات في وقت يندر فيه النقد الأجنبي.
4. النسيج الاجتماعي: النزاعات المحلية حول الأرض والموارد المائية قد تتفاقم، فتولد توترات ومجتمعية تهدد الاستقرار الداخلي.
ثالثًا: الانعكاسات الأمنية والسياسية:
1. أمن السودان الداخلي: أي اضطراب في إدارة المياه يضع الحكومة السودانية تحت ضغط شعبي متصاعد، وقد تستغله قوى سياسية أو منظمات لإضعاف مؤسسات الدولة.
2. العلاقات مع إثيوبيا: عدم التنسيق المسبق في عمليات التفريغ يمثل مساسا بسيادة السودان على موارده المائية، ويدفعه إلى إعادة النظر في سياساته تجاه الجوار الإثيوبي، خصوصا في ظل تداخل قضايا الحدود والأمن الإقليمي.
3. العلاقات مع مصر: أي ضرر يلحق بالسودان بسبب السد ينعكس مباشرة على مصر التي تعتمد على النيل اعتمادًا وجوديًا، ومن هنا فإن توحيد الموقفين السوداني والمصري يظل خيارًا إستراتيجيًا لمواجهة التحديات المستقبلية.
4. الأمن الإقليمي: إدارة غير رشيدة لسد النهضة قد تؤدي إلى أزمات إنسانية وموجات نزوح عابرة للحدود، ما يهدد الأمن الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
رابعًا: المهددات المستقبلية لسد النهضة على السودان ومصر:
1. غياب الاتفاق القانوني الملزم: استمرار إثيوبيا في إدارة السد بشكل أحادي يعني أن السودان ومصر سيبقيان عرضة لمفاجآت مائية قد تتسبب في كوارث متكررة.
2. التحكم في التدفقات: بإمكان إثيوبيا، عبر التحكم في مخزون المياه، التأثير على الزراعة والطاقة في دولتي المصب، بما يمنحها ورقة ضغط سياسي واقتصادي.
3. مخاطر الانهيار الفني: في حال حدوث خلل هندسي أو أمني في السد، فإن السودان سيكون أول المتضررين، نظرا لقربه الجغرافي من موقع السد.
4. التغير المناخي: تزايد موجات الجفاف والفيضانات يجعل من إدارة السد عاملا مضاعفا للمخاطر إن لم تتم وفق آليات تنسيق إقليمي صارمة.
خامسا: سبل تجنب المخاطر وتعزيز الأمن المائي:
1. اتفاق قانوني شامل وملزم: لا غنى عن اتفاق ثلاثي (إثيوبيا ـ السودان ـ مصر) يحدد قواعد الملء والتشغيل، ويضمن تبادل البيانات بصورة شفافة ودورية.
2. آلية إنذار مبكر مشتركة: إنشاء مركز إقليمي للرصد الهيدرولوجي يتيح تبادل المعلومات في الوقت الحقيقي لتفادي الفيضانات المفاجئة.
3. استراتيجية تنويع مصادر المياه والطاقة: على السودان ومصر تعزيز استثماراتهما في تحلية المياه والطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد الكامل على النيل.
4. دبلوماسية نشطة ومتوازنة: تبني سياسة خارجية توازن بين حماية الحقوق المائية المشروعة، وتجنب الصدام المباشر مع إثيوبيا، عبر الانفتاح على وساطات دولية وإقليمية.
5. تقوية الجبهة الداخلية: عبر تحسين البنية التحتية لمواجهة الفيضانات، وإصلاح أنظمة الري، ودعم المزارعين المتضررين، بما يقلل من أثر أي صدمة خارجية.
وفي خاتمة هذا المقال يمكن القول ،إن قضية سد النهضة ليست مجرد مشروع لتوليد الكهرباء في إثيوبيا، بل هي ملف إستراتيجي معقد يمس الأمن القومي السوداني والمصري على حد سواء ،و زيادة مناسيب النيل بفعل تفريغ التوربينات تمثل نموذجا عمليا على حجم المخاطر الناجمة عن غياب التنسيق، وتكشف الحاجة الملحة إلى اتفاق قانوني ملزم يضمن تقاسم المنافع وتجنب الأضرار. بالنسبة للسودان، فإن الموازنة بين مصالحه الوطنية ومقتضيات الشراكة الإقليمية تمثل التحدي الأكبر. أما لمصر، فإن حماية أمنها المائي تتطلب شراكة أوثق مع السودان، ورؤية استراتيجية تتجاوز المواجهة المباشرة إلى بناء منظومة تعاون إقليمي قادرة على استيعاب التغيرات المناخية والاقتصادية المقبلة.
إن الطريق الأمثل يكمن في تحويل النيل من مصدر صراع إلى رافعة للتكامل الإقليمي، لكن ذلك لن يتحقق إلا عبر الإرادة السياسية الصادقة، والتفاهم القانوني الشفاف، والإدارة الرشيدة لمورد مائي يمثل شريان الحياة لشعوب حوض و وادي النيل.
(تعزيز التكامل يبدأ بظهور التحديات)

