تمهيد: حين تُدار السياسة بعقلية الصفقة
لم يتعامل دونالد ترامب مع السياسة الخارجية بوصفها امتدادًا للقيم أو الالتزامات الدولية، بل باعتبارها سوق صفقات مفتوح تُقاس فيه الدول بوزنها الاقتصادي وثرواتها الاستراتيجية. ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم ما أُثير حول فنزويلا وقيادتها السياسية إلا ضمن منطق “الربح والخسارة”، حيث تتحول السيادة إلى بند تفاوض، والأنظمة إلى أوراق مقايضة.
أولاً: هل ما جرى انقلاب داخلي أم استهداف لآخر رموز الثورة البوليفارية؟
يمثّل الرئيس نيكولاس مادورو الامتداد السياسي والأيديولوجي للثورة البوليفارية التي أسسها الراحل هوغو شافيز، تلك الثورة التي رفعت شعار التحرر من الهيمنة الأميركية، وربطت العدالة الاجتماعية بالسيطرة الوطنية على النفط.
ومع تعاقب الأزمات، بات مادورو في نظر واشنطن وحلفائها عبئًا استراتيجيًا، لا بسبب شخصه فقط، بل لأنه يُجسّد آخر رؤساء تلك المرحلة الثورية في أميركا اللاتينية. من هنا، فإن أي حديث عن اعتقاله أو تحييده يُقرأ بوصفه محاولة لإنهاء مشروع سياسي كامل، لا مجرد تغيير رأس السلطة.
ثانيًا: المخابرات الأميركية والعملاء المحليون… تفكيك الدولة من الداخل
تشير قراءات متعددة إلى أن الاستراتيجية الأميركية في فنزويلا لم تعتمد المواجهة المباشرة، بل الاختراق الداخلي عبر شبكات محلية داخل مؤسسات الدولة، مستفيدة من الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية.
هذا الأسلوب، الذي جُرّب سابقًا في عهد شافيز، عاد بقوة في مرحلة مادورو، لكنه لم يُفضِ إلى كسر القبضة بالكامل، بل أنتج حالة إرباك سياسي وإعلامي، تُستخدم كورقة ضغط طويلة الأمد أكثر من كونها أداة حسم فوري.
ثالثًا: لماذا لم تسقط حكومة مادورو؟ الدولة ما زالت قائمة
حتى وفق أكثر الروايات حدّة، فإن الحقيقة الأساسية تبقى أن بنية الدولة الفنزويلية لم تنهَر:
– نائب الرئيس يمارس صلاحياته.
– قيادات الجيش لم تنقلب.
– المؤسسات السيادية لا تزال تعمل.
وهذا يضعف فرضية الانقلاب الشامل، ويعزّز فرضية الخدعة الأميركية الهادفة إلى تخويف الخصوم، ودفعهم نحو التنازل أو الانقسام، دون تحمل كلفة إسقاط دولة متماسكة.
رابعًا: النفط جوهر الصراع… لا المخدرات ولا الديمقراطية
تصريحات ترامب الصريحة حول دور الشركات العابرة للقارات تكشف جوهر المقاربة الأميركية، حيث تصبح شركات النفط هي الحاكم الفعلي بعد كل أزمة.
ولو كان الهدف الحقيقي هو مكافحة المخدرات، لكانت كولومبيا أَولى بالاستهداف. ولو كان الإرهاب، لما خرجت واشنطن من أفغانستان. لكن فنزويلا، بثروتها النفطية الهائلة، تمثل الجائزة الكبرى في أي صفقة دولية، وهو ما يفسر شراسة الضغوط ومحاولات إعادة تشكيل المشهد السياسي فيها.
خامسًا: هل كانت فنزويلا صفقة مع بوتين؟ أوكرانيا مقابل تقاسم الثروات
يطرح مراقبون سؤالًا بالغ الخطورة:
هل كانت فنزويلا إحدى أوراق المقايضة غير المعلنة بين واشنطن وموسكو؟
في منطق “صفقات ترامب”، لا تُدار الملفات منفصلة. أوكرانيا تمثل أولوية وجودية لروسيا، في حين تمثل فنزويلا موطئ قدم استراتيجي لموسكو في أميركا اللاتينية. ومن هنا، يبرز احتمال أن تكون فنزويلا:
منطقة تقاسم نفوذ غير معلن،
أو ورقة ضغط متبادلة،
أو ثمنًا مؤجلاً في مساومات تشمل الطاقة، والعقوبات، والأسواق العالمية.
قد لا تكون هناك صفقة مكتوبة، لكن تبادل الصمت وغضّ الطرف يظل أحد أخطر أشكال التفاهمات في السياسة الدولية.
سادسًا: من فنزويلا إلى إيران… حدود القوة الأميركية
تُظهر التجارب أن الولايات المتحدة، حين تواجه دولًا ذات تماسك داخلي، تلجأ إلى الاستعراض المحسوب بدل المواجهة المفتوحة. وهذا ما ينطبق على إيران كما على فنزويلا: ضغط اقتصادي، تهديدات، وعمليات نفسية، دون حسم نهائي، لأن كلفة الانفجار الشامل تفوق عوائد الصفقة.
خاتمة: فنزويلا ليست النهاية بل نموذج لعالم الصفقات
ما يجري في فنزويلا ليس حدثًا معزولًا، بل نموذج لعالم تُدار فيه الأزمات بعقلية المقاولة السياسية. لا انتصارًا نهائيًا لواشنطن، ولا هزيمة كاملة لكاراكاس، بل صراع مفتوح تحكمه أسعار النفط، وتوازنات القوى، وتفاهمات الكبار خلف الأبواب المغلقة.
وفي عالم ترامب، لا تُسقِط الدولَ الدباباتُ وحدها، بل العقود، والصفقات وتقاسم الغنائم.
📧 alzomzami.analysis@gmail.com

