أطفال بلا آباء… الوجه الأكثر قسوة للحرب
في مشهد يلخص عمق المأساة السودانية، كشف المجلس النرويجي للاجئين وصول أكثر من 400 طفل إلى مخيم طويل للاجئين خلال شهر واحد دون آبائهم، بعد أن قادتهم رحلة الهرب إلى المجهول.
أطفال فقدوا السند والملاذ، ووصلوا في حالة نفسية قاسية تعكس حجم الرعب والانهيار الاجتماعي الذي تتعرض له منطقة دارفور، خصوصاً الفاشر التي تحولت إلى مركز للمعاناة المفتوحة.
هذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصاءات، بل مؤشراً على تفكك البنى الاجتماعية وغياب الحماية وامتداد دائرة العنف إلى الفئات الأكثر هشاشة.
الفاشر… كارثة إنسانية غير مسبوقة
مرصد مشاد وصف ما يجري في الفاشر بأنه كارثة إنسانية غير مسبوقة، في ظل استمرار منع المدنيين من الخروج من المدينة، وتعرض الفارّين إلى طويلة ومليط والمناطق المحيطة لانتهاكات واعتداءات منسوبة لقوات الدعم السريع والجماعات المتحالفة معها.
وأكد المرصد أن ما يحدث يشبه عملية تطهير عرقي ممنهجة تهدف إلى إذلال السكان، وإجبارهم على دفع الأموال مقابل حريتهم، وإظهار دعم قسري لما يسمى بـ”حكومة التأسيس”.
هذه الممارسات – وفق خبراء – ترتقي إلى جرائم ضد الإنسانية، وتعكس نمطاً منظماً لا يمكن تفسيره إلا بوجود استراتيجية متكاملة لبسط السيطرة من خلال الرعب والانتهاكات.
المحكمة الجنائية الدولية تتحرك
في تطور لافت، بدأت المحكمة الجنائية الدولية اتخاذ خطوات عاجلة لجمع الأدلة حول عمليات قتل جماعي واعتداءات جسيمة ارتكبت عقب سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر.
وتشير تقارير دولية، بينها ما نقلته رويترز، إلى أن فرق التحقيق تعمل على بناء ملف شامل قد يشمل شهادات مباشرة، وصور أقمار صناعية، وأدلة ميدانية، في خطوة قد تشكل نقطة تحول في مسار المساءلة الدولية.
هذا التحرك يعكس إدراكاً دولياً بأن الوضع تجاوز حدود الجرائم الفردية ليصل إلى مستوى جرائم ممنهجة ومستمرة.
معركة وجود… وليست حرباً تقليدية
يرى وزير الخارجية السوداني الأسبق، علي يوسف، أن السودان يعيش معركة وجود تهدد كيان الدولة وليس مجرد حرب أهلية.
وأكد ضرورة إطلاق مشروع وطني شامل يجمع كل القوى دون إقصاء، مشيراً إلى أن الإسلاميين يمثلون جزءاً من المواجهة ضد ما وصفه بـ”الإرهاب الحقيقي” الذي تجسده قوات الدعم السريع.
وطالب يوسف واشنطن بتصنيف الدعم السريع كمنظمة إرهابية، استناداً إلى ما ارتكبته من مجازر وجرائم إبادة وتطهير عرقي في دارفور ومحيط الخرطوم.
—
لا دور مستقبلي للدعم السريع
من جهته، شدد رئيس حركة العدل والمساواة، جبريل إبراهيم، على أن السودان لن يسمح للدعم السريع بأي دور سياسي أو عسكري بعد انتهاء الحرب، مؤكداً أن الدولة ماضية نحو تحرير كل شبر من البلاد.
يمثل هذا الموقف توافقاً متصاعداً وسط قوى وطنية واسعة ترى أن العودة إلى ما قبل الحرب أصبحت مستحيلة، وأن إعادة بناء الدولة يتطلب إقصاء أي تشكيلات مسلحة خارج منظومة الجيش القومي.
الرياض وواشنطن… شراكة تعيد رسم الخرائط
تعيش العلاقات السعودية-الأمريكية مرحلة جديدة عنوانها التحالف الاستراتيجي العميق.
فالتقارب بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس دونالد ترمب تجاوز المصالح التقليدية إلى صياغة رؤية مشتركة لنظام إقليمي ودولي جديد.
خلال القمة الأخيرة، لعب الأمير محمد بن سلمان دوراً فعالاً في إعادة ملف السودان إلى مركز الاهتمام الأمريكي.
وقدّم قراءة دقيقة لمخاطر تمدد الحرب على أمن البحر الأحمر والمسارات التجارية الدولية، وهو ما دفع واشنطن إلى تبني مقاربة جديدة تقوم على:
- دعم عملية سياسية شاملة.
- منع انتشار الفاعلين غير الدوليين.
- الضغط لتأمين ممرات إنسانية.
- دعم جهود بناء المؤسسات.
ومن المتوقع أن تقود هذه الرؤية إلى مبادرة دولية واسعة تتصدرها الرياض لإعادة بناء الدولة السودانية ومنظوماتها الأمنية والاقتصادية.
السودان والسعودية… بحر واحد ومصير مشترك
لا يربط السودان بالمملكة حدود البحر الأحمر فقط، بل مصالح إستراتيجية عميقة تمتد إلى الأمن البحري والطاقة والغاز، إضافة إلى المكانة الروحية للمنطقة والقرب الجغرافي من طرق الحج والتجارة.
هذه الروابط تفتح الباب لشراكة أمنية فاعلة تضم السودان، والسعودية، ومصر، وإريتريا واليمن، بما يعزز استقرار الممرات البحرية ويخلق مظلة إقليمية للأمن والتنمية.
خاتمة: السودان على مفترق طرق
تسير الفاشر نحو منعطف خطير يختبر قدرة المجتمع الدولي على مواجهة الانتهاكات، ويختبر قدرة السودانيين على صوغ مشروع وطني يوقف الانهيار.
إن المأساة الإنسانية المتفاقمة، إلى جانب التحولات الإقليمية والدولية، تجعل من الأيام المقبلة لحظة حاسمة في مسار الحرب… إما نحو انفراجة تفرضها العدالة الدولية، أو نحو مزيد من الكارثة إذا استمرت الحسابات الضيقة في التحكم بالمشهد.
البريد الإلكتروني: bshir057@gmil.com

